حوادث السير: عندما يتحول الاستهتار إلى مأساة والقضاء والقدر إلى شماعة
بقلم: سامي العتيلات
ليست
حوادث السير مجرد أرقام تُتلى في النشرات الإخبارية، ولا هي إحصائيات صماء تُسجل
في دفاتر المرور؛ بل هي قِصص أسر تُهدم في لحظة، وأحلام شباب تُقبر قبل أن تزهر،
ووالدون يُفجعون في أكبادهم دون ذنب سوى أنهم انتظروا عودة أبنائهم بفارغ الصبر.
قصة
الشابة أُنيسة الشريفين—كما قِصص العديد من ضحايا الطرقات—تضع المجتمع بأكمله أمام
مرآة الحقيقة المؤلمة: حقيقة أن الطريق ليس مضماراً للسباق، وأن المركبة قد تتحول
في لحظات إلى أداة قتل إن غاب الوعي والانضباط.
ومن أخطر الظواهر
السائدة في مجتمعاتنا هو التذرع بمفهوم "القضاء والقدر" للتنصل من
المسؤولية الشخصية والأخلاقية. إن الإيمان بالقدر ركن أساسي في العقيدة، لكنه لا
يعني بحال من الأحوال إعفاء الإنسان من تبعات أفعاله وتقصيره.
فحين يقود سائق مركبة
بسرعة جنونية، أو ينشغل بفرط طيشه وتشتته عن الطريق، ثم يتسبب في إنهاء حياة
إنسان، فإن هذا الاستهتار هو فعل إنساني مباشر يخضع للمحاسبة الدنيوية والأخروية.
والشرع والدستور والإنسانية يتفقون جميعاً على أن الأخذ بالأسباب واجب، وأن حماية
أرواح الناس أمانة في عنق كل من يجلس خلف عجلة القيادة.
ومع انتشار السيارات
الحديثة والكهربائية على وجه الخصوص، ظهرت تحديات جديدة على الطرقات تمثلت
في تميز هذه المركبات بقدرة على الوصول لسرعات عالية في ثوانٍ معدودة.
والأدهى
والأمر أن السرعات هذه لا يشعر بها السائقون، في حين أن المشاة قد لا يسمعون صوت
المحرك القادم، مما يتطلب حذراً مضاعفاً من السائق قبل أن يحصل ما لا يحمد عقباه.
إن التطور
في قوة المركبات يجب أن يرافقه تطور في نضج السائق ووعيه، فالقوة بلا ضبط هي دمار
محقق.
وبرأيي
أن المسؤولية تكون على الطرفين السائقين والمشاه في آن واحد.
وللحد من مآسي حوادث
السير، لا بد من تضافر الجهود على عدة مستويات كالردع القانوني والتنفيذي الذي
يتمثل في تشديد العقوبات على المخالفات الجسيمة كالتجاوز الخاطئ للسرعة،
والقيادة الطائشة، واستخدام الهاتف أثناء القيادة.
والتوعية الثقافية
والدينية عن طريق تصحيح المفاهيم الخاطئة حول القضاء والقدر، وتعميق الوعي بأن
التزام أنظمة المرور هو جزء من حفظ النفس والمال.
وهذا لا يعني أن وزارة
الاشغال والبلديات بمنأى عن المسؤولية عن طريق تحسين البنية التحتية، وزيادة ممرات
المشاة الآمنة، وتوسيع نطاق أدوات كبح السرعة في المناطق السكنية والجامعية بعمل
مطبات صديقة للانسان والمركبات أي ليست عالية لتؤثر على السيارات لكن بالمقابل
تجبر السيارات على تهدئة سرعاتهنا.
سكينة
القهوة وطيش الطريق..
حين يتحول الشارع إلى
مضمارٍ للنزق والسرعة، لا تؤذى المارة والمركبات وحدها، بل تُنتهك حُرمة تفاصيلنا
الجميلة وتقاليدنا الدافئة..
فنجان
القهوة العربية، ذاك الرمز الأصيل للأصالة، والهدوء، والكرامة، لم يُخلق ليُسكب
هدرًا على المقاعد أو يتطاير صبابه تحت وطأة طيشٍ أو سرعةٍ زائدة. القهوة تُدار
بالسكينة، وتُرتشف بالطمأنينة، ولا تجتمع أبداً مع العجلة والتهور.
إن
السائق الذي يندفع بمركبته يتجاوز حدود الأمان، لا يكسر قوانين السير فحسب، بل
يخدش هيبة اللحظة؛ فيسلب القهوة هيبتها، ويحيل جلسة الأُنس والأمان إلى لحظة فزعٍ
وضياع.
المهل
أمان، والرفق جمال.. فلا تجعلوا من عجلة الساعات سبباً لوأد السكينة وانسكاب
الهيبة من فناجيننا.
كل
إنسان يسير على القدمين في الشارع هو ابنٌ لأحد، أو أبٌ، أو أمٌّ تنتظره عائلة
بأكملها لتكتمل فرحتها بوجوده.
وتذكّر أخي السائق دائماً قبل أن تضغط على دواسة
البنزين بدافع العجلة أو الاستهتار، أن هناك من ينتظر عودة أحدهم سالماً إلى بيته،
وأن مكالمة طمأنينة مدتها دقيقتان يجب ألا تكون آخر عهد الأهل بفقيدهم.













