شريط الأخبار
المنطقة العسكرية الشمالية تحبط تسلل 4 أشخاص تحت مظلة «ابشر سيدنا».. 3000 من أبناء وبنات الوطن يؤمون مضارب بني هاشم العراق إذ يحتفي بـ “استقلاله الثاني"...تحديات استرداد "السيادة" وحفظ الاستقرار الأردن.. ماذا فعلنا بالاستقرار؟ تجربتي .. في حلّ مشكلات العمل الكبير (التجربة الأولى) حوادث السير: عندما يتحول الاستهتار إلى مأساة والقضاء والقدر إلى شماعة المسلماني يدعو إلى مراجعة برنامج «أردننا جنة» وتقييم أثره الاقتصادي أمن الأردن يبدأ منّا… حين يصبح الوطن مسؤولية كل مواطن الكشف عن الصور الأولى لمساعد طيار رحلة "فلاي دبي" 30 شهيدا برصاص المستوطنين في الضفة الغربية منذ بداية 2026 أبو عاقولة: رغم ارتفاع كلف الشحن واضطرابات باب المندب.. العقبة تعمل بكامل طاقتها ​الصبيحي: تعديلات الضمان تثير قلقا في الشارع والمطلوب إحداث توازن دقيق جرائم كيان صهيوني لا حكومة نتنياهو! وزارة التربية وأرقام الحقول التحقيق الاماراتي: مساعد قائد طائرة "فلاي دبي" شرع بتنفيذ "عملية إرهابية" 5.17 مليار دينار صادرات الصناعة خلال 7 أشهر وائل منسي يكتب: الأثر الاقتصادي للقيود الاحتلالية على الحركة والوصول في الضفة الغربية ندوة بمعرض عمان الدولي للكتاب تبحث تحديات الصناعات الثقافية ترامب: أوروبا وافقت على طرح كميات هائلة من مخزون الديزل الضخم لديها مواطنون يشتكون سقوط جزء من الجدار الاستنادي في جسر الشامية بمعان

تجربتي .. في حلّ مشكلات العمل الكبير (التجربة الأولى)

تجربتي .. في حلّ مشكلات العمل الكبير (التجربة الأولى)


عوض ضيف الله الملاحمة 

 

أفاق العالم يوم السبت ١٩٨٦/٤/٢٦ الساعة ١:٢٣ فجراً بالتوقيت المحلي على خبر إنفجار مفاعل تشيرنوبل المفاعل رقم ( ٤)  . 

 

كنت وقتها أعمل في أبوظبي ، كمدير عام لمجموعة  قابضة ، تمتلك ( ٦ ) مؤسسات تجارية متنوعة النشاطات ، مالكها شيخ جليل القدر  . ومن ضمن المجموعة مؤسستين للسفر والسياحة ، الأولى GSA، والثانيةIATA . وكانت الأولى وكيل عام الخطوط الجوية البلغارية ، ووكيل عام السياحة البلغارية في منطقة الخليج العربي . وكانت الخطوط الجوية البلغارية تسيِّر رحلة إسبوعية منتظمة بين أبوظبي وصوفيا . وتدارسنا مع الشيخ المالك تشغّيل رحلات مستأجرة مدفوعة القيمة مُقدماً ( Charter Flights ) خلال فصل الصيف لنقل السياح من أبوظبي الى منتجعات البحر الأسود في بلغاريا ، والعكس ، كوننا وكلاء السياحة البلغارية ووكلاء الخطوط البلغارية . ووافق المالك على الفكرة . خطورة هذا النشاط تكمن في ان ثمن كامل الرحلات التي يتم الإتفاق عليها خلال موسم الصيف ، والتي تتراوح بين ( ١٦ — ١٨ ) رحلة تُدفع مقدماً ، عند توقيع الإتفاقية في شهر آذار ، ولنا الحق في إشغال سعة الطائرة كاملة ، والتي تتراوح بين ( ١٩٠ — ٢٠٠ ) راكب . 

 

بدأنا التفاوض مع الخطوط البلغارية ، وبعد الإتفاق على كافة التفاصيل ، سافرت وبرفقتي المدير المختص ، ووقعنا الإتفاقية ، كما وقعنا إتفاقيات مع الفنادق في منطقة منتجعات البحر الأسود . بعدها عدنا ، وسددنا القيمة المستحقة للرحلات ، وحجوزات الفنادق . عملنا بجهد مكثف لتسويق الرحلات ، ورصدنا جوائز مغرية ، وكانت الجائزة الكبرى بوليصة تأمين على الحياة بمبلغ ( ١ ) مليون درهم ، والجائزة الثانية سيارة هوندا أكورد ، بالإضافة الى مئات الأجهزة الكهربائية وغيرها . وبدأنا حملة إعلانية مكثفة ومُكلفة جداً . وحددنا بداية شهر ( ٦ ) لإنطلاق الرحلات . 

 

شهدت الحجوزات  إقبالاً كبيراً . لدرجة اننا حولنا ساعات عمل الموظفين الى ورديات ، ينتهي دوام الوردية الليلية الساعة ( ١٢ ) منتصف الليل . ووصلت أعداد الحجوزات بالمئات يومياً ، مما بشر بموسم سياحي ناجح. 

 

أفقنا على كارثة بيئية عالمية ، خطيرة وغير مسبوقة . صحونا على خبر إنفجار مفاعل تشيرنوبل . ساد التوتر الممزوج بالخوف . فلا أحد يعرف إنعكاس الإشعاعات النووية على الإنسان والحياة عامة . وكنا نجهل كل ما يتعلق بهذا الإنفجار ، ومعرفتنا محصورة في ان الإنفجار سيتسبب بإنتشار إشعاعات قاتلة لكل شيء حيّ ، دون ان  نعرف مداها ، والدول التي ستتلوث بها. 

 

بدأت المعلومات التي تصل تحدد الدول التي تأثرت بالتلوث الإشعاعي . وكانت بعض التقارير تؤكد تأثر المنتجعات البلغارية على البحر الأسود ، وبعضها تنفي . مما أدى الى توافد السياح الذين حجزوا على رحلاتنا بالمئات ، طالبين إلغاء حجوزاتهم ، وإستعادة المبالغ التي دفعوها . هاتفني مدير المؤسسة وابلغني بتوافد الناس ، مطالبين بإستعادة ما دفعوا . طلبت منه التحدث اليهم وطمأنتهم بأنهم سوف يستعيدون ما دفعوا كاملاً اليوم . وطلبت منه ان يبلغ المدير المالي بأن يصدر شيكاً بمبلغ كبير وان يأتي لتوقيعه مني ، ويسحب المبلغ ويعود للمكتب لبدء الصرف . وخلال بضعة أيام أُلغيت كافة الحجوزات ، وتم إعادة المبالغ  للجميع. 

 

شعرت أنني أمام كارثة حقيقية ، وإنني أنا المطالب كمدير عام ان أبحث عن حلّ لموسمٍ سياحي إنتهى قبل ان يبدأ ، وانه كما الوليد الذي مات قبل ان يرى النور . ودون ان أشعر ، إستقليت سيارتي ، ولم أشعر الا وأنا في منطقة كاسر الأمواج ، وقد فككت ربطة عنقي ، وخلعت الجاكيت ، وجلست على صخرة كبيرة  ، ووجهت وجهي لربي مُستغيثاً ومستنجداً ، وللبحر لأستنشق النسيم العليل ، وانا أفكر في حلّ لمشكلة لم يسبق ان حصلت مع غيري للإقتداء بإجتهادات من عاشوها . بعد أقل من ساعة ومضت فكرة مُتَّقِدة في ذهني مفادها : ان أستعين في خبراء الأمم المتحدة المتخصصين في قياس الإشعاعات النووية ، وان أرسل لجنة منهم — ونتحمل الكلفة كاملة — الى منتجعات بلغاريا على البحر الأسود ، ويقدموا لنا تقريراً متخصصاً عن نسبة الإشعاع في منطقة نشاطنا السياحي ويؤكدوا لنا ، هل النسبة آمنة على صحة السياح أم لا ؟ وان يتم تزويدينا بتقرير رسمي من الأمم المتحدة. 

 

لم يكن الهاتف الخلوي مكتشفاً بعد ، لكن كان هناك هاتف السيارة . هرعت للسيارة كما البرق ، وطلبت من السكرتيرة ان تحضر لي هاتف مدير مكتب الأمم المتحدة في أبوظبي ، وان يكون رقم الهاتف لديها قبل وصولي المكتب . وصلت مكتبي ، ولا اعرف كيف وصلت ، طلبت من السكرتيرة الإتصال بمدير مكتب الأمم المتحدة في ابوظبي فوراً ، وصعدت الى مكتبي في الطابق العلوي. 

 

حييته بتحية المتلهف لمساعدته ، وقلت له : هل يمكن ان أُنسق معكم لتكليف لجنة متخصصة بقياس الإشعاعات النووية في منتجعات بلغاريا على البحر الأسود ، على ان تزودوني بتقرير رسمي يحمل خاتم الأمم المتحدة ، ونتحمل نحن كامل الكلفة ؟ ردّ عليّ بكلام الواثق المستعد للتعاون وقال : نعم يمكننا ، لكن مكتبنا في فيينا / النمسا هو المختص بذلك . طِرت من الفرحة ، لأن ربي الهمني بالفكرة ، وان الفكرة قابلة للتنفيذ . طلبت منه اسماء كافة الأشخاص ذوي العلاقة وهواتفهم المباشرة . قال : سأتصل بك بعد دقائق لتزويدك بكل ما تريد ، وفعلاً فعل. 

 

طلبت من سكرتيرتي الإتصال الفوري بالمدير  المختص في فيينا  وجاءني الرد من الطرف الآخر . وعرّفت بنفسي ، وشرحت مشكلتي ، ووضحت طلبي ، وان تكون نتيجة اللجنة المتخصصة حصولنا على شهادة من الأمم المتحدة ممهورة بخاتمها ، وان ترسل لي بواسطة DHL فوراً .  رحب بذلك ، سألته ان يحدد الكلفة ، واسم البنك ورقم الحساب ، وان يرسل لي برنامج الخبراء وغيره من التفاصيل مطبوعاً على ورق الأمم المتحدة . وطلب ان أمهله بضع ساعات . وبعد ساعات وصلني البرنامج التفصيلي للخطوات التي ستتبعها اللجنة في أخذ العينات ، وآلية فحصها ، إنتهاءاً بالكلفة التي بلغت ( ٥٠,٠٠٠ ) دولار أمريكي . وفي صباح اليوم التالي حولنا كامل المبلغ للأمم المتحدة / فيينا. 

 

وبعد حوالي الأسبوع ، وصلتني شهادة الأمم المتحدة ، مؤكدة ان منتجعات بلغاريا على البحر الأسود (( آمنة )) ولم يصلها التلوث. 

 

إتصلت فوراً في رئيس تحرير صحيفة الإتحاد الإماراتية الرسمية ، وطلبت حجز النصف السفلي من الصفحة الأولى لنشر إعلان سأحضره انا بيدي الآن . وترجمت التقرير بخط يدي على الشهادة ومهرته بخاتم مجموعة المؤسسات ، وخاتم مؤسسة السياحة . وفي صباح يوم الإعلان ، تسابق كل الذين الغوا حجوزاتهم ، لإعادة حجوزاتهم ثانية ، وكان موسماً سياحياً ناجحاً بإمتياز والحمد لله ، حيث وصل عدد السياح الى ما يزيد عن ( ٢,٨٠٠ ) سائح خلال ثلاثة شهور. 

 

لا أسرد هذه القصة المُرَّة للإفتخار ، لا والله ، ولكن للتدليل على القدرة على التفكير خارج الصندوق ، والجرأة  في إتخاذ القرار ، الذي يوصل الى حلول ناجعة وناجحة ، وإجتراح الحلول للمشكلات الكبرى .