تجربتي .. في حلّ مشكلات العمل الكبير (التجربة الأولى)
عوض ضيف الله الملاحمة
أفاق العالم يوم السبت
١٩٨٦/٤/٢٦ الساعة ١:٢٣ فجراً بالتوقيت المحلي على خبر إنفجار مفاعل تشيرنوبل
المفاعل رقم ( ٤) .
كنت وقتها أعمل في
أبوظبي ، كمدير عام لمجموعة قابضة ، تمتلك ( ٦ ) مؤسسات تجارية متنوعة
النشاطات ، مالكها شيخ جليل القدر . ومن ضمن المجموعة مؤسستين للسفر
والسياحة ، الأولى GSA،
والثانيةIATA . وكانت الأولى وكيل عام
الخطوط الجوية البلغارية ، ووكيل عام السياحة البلغارية في منطقة الخليج العربي .
وكانت الخطوط الجوية البلغارية تسيِّر رحلة إسبوعية منتظمة بين أبوظبي وصوفيا .
وتدارسنا مع الشيخ المالك تشغّيل رحلات مستأجرة مدفوعة القيمة مُقدماً ( Charter Flights ) خلال فصل الصيف لنقل السياح من أبوظبي الى
منتجعات البحر الأسود في بلغاريا ، والعكس ، كوننا وكلاء السياحة البلغارية ووكلاء
الخطوط البلغارية . ووافق المالك على الفكرة . خطورة هذا النشاط تكمن في ان ثمن
كامل الرحلات التي يتم الإتفاق عليها خلال موسم الصيف ، والتي تتراوح بين ( ١٦ —
١٨ ) رحلة تُدفع مقدماً ، عند توقيع الإتفاقية في شهر آذار ، ولنا الحق في إشغال
سعة الطائرة كاملة ، والتي تتراوح بين ( ١٩٠ — ٢٠٠ ) راكب .
بدأنا التفاوض مع
الخطوط البلغارية ، وبعد الإتفاق على كافة التفاصيل ، سافرت وبرفقتي المدير المختص
، ووقعنا الإتفاقية ، كما وقعنا إتفاقيات مع الفنادق في منطقة منتجعات البحر
الأسود . بعدها عدنا ، وسددنا القيمة المستحقة للرحلات ، وحجوزات الفنادق . عملنا
بجهد مكثف لتسويق الرحلات ، ورصدنا جوائز مغرية ، وكانت الجائزة الكبرى بوليصة
تأمين على الحياة بمبلغ ( ١ ) مليون درهم ، والجائزة الثانية سيارة هوندا أكورد ،
بالإضافة الى مئات الأجهزة الكهربائية وغيرها . وبدأنا حملة إعلانية مكثفة ومُكلفة
جداً . وحددنا بداية شهر ( ٦ ) لإنطلاق الرحلات .
شهدت الحجوزات
إقبالاً كبيراً . لدرجة اننا حولنا ساعات عمل الموظفين الى ورديات ، ينتهي دوام
الوردية الليلية الساعة ( ١٢ ) منتصف الليل . ووصلت أعداد الحجوزات بالمئات يومياً
، مما بشر بموسم سياحي ناجح.
أفقنا على كارثة بيئية
عالمية ، خطيرة وغير مسبوقة . صحونا على خبر إنفجار مفاعل تشيرنوبل . ساد التوتر
الممزوج بالخوف . فلا أحد يعرف إنعكاس الإشعاعات النووية على الإنسان والحياة عامة
. وكنا نجهل كل ما يتعلق بهذا الإنفجار ، ومعرفتنا محصورة في ان الإنفجار سيتسبب
بإنتشار إشعاعات قاتلة لكل شيء حيّ ، دون ان نعرف مداها ، والدول التي
ستتلوث بها.
بدأت المعلومات التي
تصل تحدد الدول التي تأثرت بالتلوث الإشعاعي . وكانت بعض التقارير تؤكد تأثر
المنتجعات البلغارية على البحر الأسود ، وبعضها تنفي . مما أدى الى توافد السياح
الذين حجزوا على رحلاتنا بالمئات ، طالبين إلغاء حجوزاتهم ، وإستعادة المبالغ التي
دفعوها . هاتفني مدير المؤسسة وابلغني بتوافد الناس ، مطالبين بإستعادة ما دفعوا .
طلبت منه التحدث اليهم وطمأنتهم بأنهم سوف يستعيدون ما دفعوا كاملاً اليوم . وطلبت
منه ان يبلغ المدير المالي بأن يصدر شيكاً بمبلغ كبير وان يأتي لتوقيعه مني ،
ويسحب المبلغ ويعود للمكتب لبدء الصرف . وخلال بضعة أيام أُلغيت كافة الحجوزات ،
وتم إعادة المبالغ للجميع.
شعرت أنني أمام كارثة
حقيقية ، وإنني أنا المطالب كمدير عام ان أبحث عن حلّ لموسمٍ سياحي إنتهى قبل ان
يبدأ ، وانه كما الوليد الذي مات قبل ان يرى النور . ودون ان أشعر ، إستقليت
سيارتي ، ولم أشعر الا وأنا في منطقة كاسر الأمواج ، وقد فككت ربطة عنقي ، وخلعت
الجاكيت ، وجلست على صخرة كبيرة ، ووجهت وجهي لربي مُستغيثاً ومستنجداً ،
وللبحر لأستنشق النسيم العليل ، وانا أفكر في حلّ لمشكلة لم يسبق ان حصلت مع غيري
للإقتداء بإجتهادات من عاشوها . بعد أقل من ساعة ومضت فكرة مُتَّقِدة في ذهني
مفادها : ان أستعين في خبراء الأمم المتحدة المتخصصين في قياس الإشعاعات النووية ،
وان أرسل لجنة منهم — ونتحمل الكلفة كاملة — الى منتجعات بلغاريا على البحر الأسود
، ويقدموا لنا تقريراً متخصصاً عن نسبة الإشعاع في منطقة نشاطنا السياحي ويؤكدوا
لنا ، هل النسبة آمنة على صحة السياح أم لا ؟ وان يتم تزويدينا بتقرير رسمي من
الأمم المتحدة.
لم يكن الهاتف الخلوي
مكتشفاً بعد ، لكن كان هناك هاتف السيارة . هرعت للسيارة كما البرق ، وطلبت من
السكرتيرة ان تحضر لي هاتف مدير مكتب الأمم المتحدة في أبوظبي ، وان يكون رقم
الهاتف لديها قبل وصولي المكتب . وصلت مكتبي ، ولا اعرف كيف وصلت ، طلبت من
السكرتيرة الإتصال بمدير مكتب الأمم المتحدة في ابوظبي فوراً ، وصعدت الى مكتبي في
الطابق العلوي.
حييته بتحية المتلهف
لمساعدته ، وقلت له : هل يمكن ان أُنسق معكم لتكليف لجنة متخصصة بقياس الإشعاعات
النووية في منتجعات بلغاريا على البحر الأسود ، على ان تزودوني بتقرير رسمي يحمل
خاتم الأمم المتحدة ، ونتحمل نحن كامل الكلفة ؟ ردّ عليّ بكلام الواثق المستعد للتعاون
وقال : نعم يمكننا ، لكن مكتبنا في فيينا / النمسا هو المختص بذلك . طِرت من
الفرحة ، لأن ربي الهمني بالفكرة ، وان الفكرة قابلة للتنفيذ . طلبت منه اسماء
كافة الأشخاص ذوي العلاقة وهواتفهم المباشرة . قال : سأتصل بك بعد دقائق لتزويدك
بكل ما تريد ، وفعلاً فعل.
طلبت من سكرتيرتي
الإتصال الفوري بالمدير المختص في فيينا وجاءني الرد من الطرف الآخر .
وعرّفت بنفسي ، وشرحت مشكلتي ، ووضحت طلبي ، وان تكون نتيجة اللجنة المتخصصة
حصولنا على شهادة من الأمم المتحدة ممهورة بخاتمها ، وان ترسل لي بواسطة DHL فوراً . رحب بذلك ، سألته ان يحدد الكلفة
، واسم البنك ورقم الحساب ، وان يرسل لي برنامج الخبراء وغيره من التفاصيل مطبوعاً
على ورق الأمم المتحدة . وطلب ان أمهله بضع ساعات . وبعد ساعات وصلني البرنامج
التفصيلي للخطوات التي ستتبعها اللجنة في أخذ العينات ، وآلية فحصها ، إنتهاءاً
بالكلفة التي بلغت ( ٥٠,٠٠٠ ) دولار أمريكي . وفي صباح اليوم التالي حولنا كامل
المبلغ للأمم المتحدة / فيينا.
وبعد حوالي الأسبوع ،
وصلتني شهادة الأمم المتحدة ، مؤكدة ان منتجعات بلغاريا على البحر الأسود (( آمنة
)) ولم يصلها التلوث.
إتصلت فوراً في رئيس
تحرير صحيفة الإتحاد الإماراتية الرسمية ، وطلبت حجز النصف السفلي من الصفحة
الأولى لنشر إعلان سأحضره انا بيدي الآن . وترجمت التقرير بخط يدي على الشهادة
ومهرته بخاتم مجموعة المؤسسات ، وخاتم مؤسسة السياحة . وفي صباح يوم الإعلان ،
تسابق كل الذين الغوا حجوزاتهم ، لإعادة حجوزاتهم ثانية ، وكان موسماً سياحياً
ناجحاً بإمتياز والحمد لله ، حيث وصل عدد السياح الى ما يزيد عن ( ٢,٨٠٠ ) سائح
خلال ثلاثة شهور.
لا أسرد هذه القصة
المُرَّة للإفتخار ، لا والله ، ولكن للتدليل على القدرة على التفكير خارج الصندوق
، والجرأة في إتخاذ القرار ، الذي يوصل الى حلول ناجعة وناجحة ، وإجتراح
الحلول للمشكلات الكبرى .













