شريط الأخبار
المنطقة العسكرية الشمالية تحبط تسلل 4 أشخاص تحت مظلة «ابشر سيدنا».. 3000 من أبناء وبنات الوطن يؤمون مضارب بني هاشم العراق إذ يحتفي بـ “استقلاله الثاني"...تحديات استرداد "السيادة" وحفظ الاستقرار الأردن.. ماذا فعلنا بالاستقرار؟ تجربتي .. في حلّ مشكلات العمل الكبير (التجربة الأولى) حوادث السير: عندما يتحول الاستهتار إلى مأساة والقضاء والقدر إلى شماعة المسلماني يدعو إلى مراجعة برنامج «أردننا جنة» وتقييم أثره الاقتصادي أمن الأردن يبدأ منّا… حين يصبح الوطن مسؤولية كل مواطن الكشف عن الصور الأولى لمساعد طيار رحلة "فلاي دبي" 30 شهيدا برصاص المستوطنين في الضفة الغربية منذ بداية 2026 أبو عاقولة: رغم ارتفاع كلف الشحن واضطرابات باب المندب.. العقبة تعمل بكامل طاقتها ​الصبيحي: تعديلات الضمان تثير قلقا في الشارع والمطلوب إحداث توازن دقيق جرائم كيان صهيوني لا حكومة نتنياهو! وزارة التربية وأرقام الحقول التحقيق الاماراتي: مساعد قائد طائرة "فلاي دبي" شرع بتنفيذ "عملية إرهابية" 5.17 مليار دينار صادرات الصناعة خلال 7 أشهر وائل منسي يكتب: الأثر الاقتصادي للقيود الاحتلالية على الحركة والوصول في الضفة الغربية ندوة بمعرض عمان الدولي للكتاب تبحث تحديات الصناعات الثقافية ترامب: أوروبا وافقت على طرح كميات هائلة من مخزون الديزل الضخم لديها مواطنون يشتكون سقوط جزء من الجدار الاستنادي في جسر الشامية بمعان

الأردن.. ماذا فعلنا بالاستقرار؟

الأردن.. ماذا فعلنا بالاستقرار؟


 

راكان السعايدة

الاستقرار في أي دولة، على ضرورته وأهميته، لا يكون هدفاً نهائياً بذاته، بل القاعدة التي تبني الدولة على  مؤسساتها، وتتيح لها تحديثها وضمان تقدمها.

لكن أن يكون الاستقرار هو الغاية، وما بعد ذلك ليس مهماً، فحتماً لن تكون الدولة جاهزة لمواجهة تداعيات الأزمات الخطيرة، ولا أكلاف التحديات الكبرى؛ ليس لأنها غير قادرة، وإنما لأنها لم تستثمر استقرارها بما يكفي في البناء الشامل وتعظيم قدراتها، مؤسسياً وبشرياً.

لذلك، عندما نسأل: هل تَعامل الأردن مع استقراره طوال السنوات التي مرت كفرصة للبناء والتحديث والتقدم، أم رأى أن الاستقرار كافٍ بذاته ولذاته؟ فإن السؤال، بتقديري، لا يكون مجرداً من المعاني، بل غايته أن نعرف ماذا فعلنا باستقرارنا، وكيف وظفناه.

إجابة هذا السؤال، عموماً، ليست تقييماً للماضي وكفى، بل هي بوصلتنا للمستقبل؛ لأن ما فعلناه بالأمس، وما نفعله اليوم باستقرارنا، هو الذي سيحدد موقعنا غداً. فالاستقرار لا يقاس فقط بقدرة الدولة على منع الاضطراب، وإنما بقدرتها على تحويل الهدوء إلى قوة، والقوة إلى قدرة مستدامة على مواجهة ما يأتي.

الأردن كان على الدوام دولة مستقرة؛ فبرغم الصعاب التي مر بها الإقليم ويمر، وبرغم بعض الأحوال الداخلية الحساسة منذ التأسيس وإلى اليوم، بقي مستقراً وآمناً، بل شكّل نموذجاً لافتاً في ذلك، وهذا الاستقرار، بفهمي، إنجاز يستحق البناء عليه، لا الاكتفاء به وكأنه كل شيء.

أي أن محافظة الدولة على الاستقرار لا يعني أن فرص البناء والتحديث قد استُثمرت كلها، أو أن المؤسسات تطورت بالقدر الذي كان ممكناً؛ فالمشكلة ليست في وجود المؤسسات أو غيابها، وإنما في مدى فاعليتها، وقدرتها على التطور، ومراكمة الإنجازات، ومواكبة التحولات.

وعندما نقول الدولة، فإننا نقصدها بمعناها الواسع، رسمياً وأهلياً؛ إذ لا يمكن أن تبني سلطات دستورية ومؤسسات رسمية قوية من غير أن تعنيك الأطر الأهلية من قطاع خاص وأحزاب ونقابات وإعلام.

فالدولة القوية لا بد أن تتكئ على حكومة قوية، وبرلمان قوي، وأحزاب قوية، ونقابات قوية، وقطاع خاص قوي، وإعلام مهني وفاعل.. لأن قوة هذه السلطات والأطر، وقدرتها على أداء أدوارها بحرفية واستقلالية ومسؤولية، شرط أساسي لبنية وطنية قوية قادرة على مجابهة الأخطار والتحديات.

فالمسألة ليست مجرد خطط ومشاريع على الورق، فهذه لا قيمة لها إن لم تجد طريقها إلى أرض الواقع، وأن تتحول إلى عمل مؤسسي يتراكم فعلي، لا إلى خطط واستراتيجيات تبدأ من جديد كلما تغيرت حكومة وجاءت أخرى، أو بدلنا مسؤولاً بآخر. 

بمعنى، واضح وغير موارب، أن تكون الحكومات صاحبة ولاية حقيقية، والبرلمان يمارس دوره التشريعي والرقابي وفق الدستور، والوزارات تعمل مؤسسياً على خطط واستراتيجيات لا تتبدل بتبدل الوزراء. 

كذلك الأحزاب تعمل بموجب قانون يمكنها ولا يقيدها، والنقابات استثمارها والاستفادة منها كبيوت خبرة، والإعلام سلطة رقابة على الجميع، وقطاع خاص يدرك أن دوره الاقتصادي، كدور أساس، لا ينفصل عن مسؤوليته الوطنية تجاه الدولة والمجتمع.

وليكون كل ذلك مجدياً، تقتضي الضرورة أن تكون القنوات بين مراكز الدولة هذه مفتوحة وسلسة، لتعمل بتكاملية وتشاركية، وتعرف أن قوة الدولة لا تقوم على قوة مؤسسة واحدة، مهما كانت، وإنما على قوة كامل منظومتها.

إذن، أين المشكلة؟

بصراحة، المشكلة ليست في وجود الهياكل والأطر، فهي موجودة وقائمة، وإنما في قدرتها على العمل ضمن رؤية وطنية متكاملة، واستراتيجيات تُراكم وتُعمق الإنجازات، وتقاليد أداء راسخة لا تتبدل بتبدل الأشخاص ومواقع المسؤولية.

والمشكلة ليست في غياب العقول والإمكانات، وإنما في ضعف القدرة على تحويلها إلى عمل مؤسسي يتراكم، وإنجازات لا تبدأ من الصفر في كل مرة.

وبصراحة أيضاً، فإن أكثر ما تبدو عليه المؤسسات، في أغلب الأحيان، أنها تدير أعمالاً يومية، وتشتبك مع ظواهر المشكلات والأزمات لا مع جذورها، ما يجعل المشهد فيه قدر من العشوائية، وتظهر معالجاته للمشكلات سطحية، وربما لا تتجاوز أحياناً المسكنات التي تركز على أعراض الأمراض لا الأمراض نفسها.

المأخذ هنا ليس في معالجة الأزمة عندما تقع، فهذا جزء من عمل الدولة، وإنما في أن تترسخ إدارة الأزمات كنمط عمل معتاد، على حساب بناء القدرة على منع تكرارها، أو الحد من آثارها، أو الاستعداد لما هو أكبر منها.

ألسنا نرى، مثلاً، في ملفات الخدمات، خططاً تتكرر، ودراسات تعاد، ومشاريع تبدأ ثم تتوقف، ثم تعود إلينا بصيغ جديدة في متوالية لا تنتهي؟ وهذه ليست اتهامات، بقدر ما هي صورة على غياب الاستراتيجيات المحكمة، وبالتالي ضعف التراكم المؤسسي.

وبالنتيجة، لا أريد أن أقول إن الأطر أصبحت متهالكة، بل إن بعضها لم يعد يثبت جدواه بالقدر الذي يفترض أن يكون عليه، وإن الفجوة تتسع بين ما يفترض أن تؤديه المؤسسات وبين ما تنتجه فعلياً. وهذه فجوة لا تقاس بعدد المؤسسات، بل بمدى قدرتها على إنتاج حلول دائمة لا مسكنات مؤقتة.

وهذه الفجوة لا يمكن تحميلها كلها للمسؤولين، برغم ما عليهم من ملاحظات، كما لا يمكن ردها كلها إلى الظروف المحيطة وصعوباتها؛ فالمشكلة أعمق من الأشخاص والظروف معاً، وتتصل أيضاً بالطريقة التي نعمل بها، والاستمرارية المفرطة لذات السياسات، والفاعلية المتدنية للمساءلة الحقيقية، وضعف قدرة المؤسسات على تحويل الخبرة المتراكمة إلى معرفة وسياسات تمنع تكرار الأخطاء وتعاظمها.

ذلك يحتاج دولة تقرأ الأزمة وهي في طور التشكل، لا بعد أن تصبح واقعاً، وتبحث عن جذورها لا عن أعراضها، وتتعامل مع الاستقرار بوصفه فرصة للاستعداد، لا مجرد نتيجة ينبغي المحافظة عليها.

اليوم، لا بد أن تسأل الدولة نفسها: هل ما عليه مؤسساتها يمكِّنها من مجابهة الصعاب والتهديدات العميقة، أم أنها تحتاج إعادة نظر في بعض بنيتها وآليات عملها؟ ومن قبل أن تسأل: هل هذه المؤسسات مقنعة للناس الذين يرون كيف تدير شؤونهم، وكل شؤون الدولة، ويرون ما تنتجه وما ينعكس عليهم؟

هذان سؤالان ضروريان لتقييم الواقع، وإجابتهما لا يجب أن تبقى حبراً على ورق، بل أن تكون محفزاً لإعادة النظر بكل ما نحن عليه، وإعادة تصميم الاستراتيجيات الوطنية على أساس بناء مؤسسات تراكم الإنجازات وتعمقها بالتحديث المستمر، وتقيس نجاحها بما تحققه من نتائج لا بما تضعه من خطط.

فإذا كان الاستقرار مهماً، وهو كذلك، فإن الاستثمار فيه لا يقل أهمية، فالاستقرار الذي لا يوظف للبناء والتقدم لا يفقد قيمته، لكنه يفقد فرصة كان يمكن أن تجعل الدولة أكثر متانة وقدرة واستعداداً، فما لم نبنه في سنوات الرخاء والهدوء، سنبحث عنه في سنوات الشدة، وقد لا نجده.

ففي مثل ظروف الإقليم، وما قد تأتي به من محاولات لهز استقرارك واستهداف وجودك، يصبح حتمياً أن ما بنيته في سنوات الاستقرار سيكون جزءاً من قدرتك على الصمود، وما لم تبنه سيكون فجوة يصعب سدها في وقت الأزمة.

باختصار، فالسؤال الجوهري لا يقف عند: كيف نحافظ على استقرار الأردن؟ بل: ماذا نبني بهذا الاستقرار، وكيف نجعله قوة تمكن الأردن من حماية نفسه، والتعامل مع ما يستجد من أخطار، والتأثير فيها، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف مع نتائجها؟