شريط الأخبار
تجربتي .. في حلّ مشكلات العمل الكبيرة ( التجربة الثانية ) وقفة مراجعة.. والاصطدام بجدار الحقيقة التربية تصرف رواتب معلمي الإضافي معاريف: تقرير امريكي يحذر من ان إسرائيل على حافة حرب أهلية السابع من أكتوبر… اليوم الذي غيّر مجرى التاريخ اختتام أعمال "قمة الأمم المتحدة الدولية للمشتريات 2026" في عمّان تحت الرعاية الملكية تراجع أسعار الذهب عالميا تركيا: اجتماع حلف مكة بحث سبل حل المشكلة باليمن عبر الحوار والوسائل السلمية انفجار جهاز للتعقيم بمستشفى السلط.. و"الصحة" توضح: حادث فني محدود حلم تربوي أنيق جدًا من هو الوزير الذي أخفق؟ وفي ماذا أخفق؟ النفط فوق الـ100 دولار وسط استمرار المخاوف الأمنية في الشرق الأوسط الأردن يؤكد وقوفه المطلق مع السعودية في حماية أمنها وسيادتها ذنيبات: اهمية كبرى لمشروع سكة حديد العقبة – معان.. وقيمته 2.5 مليار دولار ليبرمان يجدد الحديث عن اطماع الاحتلال ويطرح مشروع كونفدرالية إسرائيلية – أردنية في الضفة! ترامب ينجم: أعتقد أن إيران مسؤولة عن حادثة طائرة "فلاي دبي" الحوثيون: نفذنا ثلاث عمليات نوعية ضد مطارين ومصفاة ارامكو السعودية وفاة واصابات بحادث انقلاب حافلة بطريق المطار أيُّ يومٍ للمعلم؟ فيديو اعتداء على طفلة.. الأمن يوضح ملابساته

وقفة مراجعة.. والاصطدام بجدار الحقيقة

وقفة مراجعة.. والاصطدام بجدار الحقيقة


 

د حيدر البستنجي 

عندما تعجز الأيديولوجيا تفرّ إلى ملاذها الأخير: صناعة الوهم  من البلاغة والمجاز. تعيد تدوير الخسائر على شكل بطولات مقدسة . فالدمار الشامل يصبح إنجازاً، ويتحول الجوع  إلى "صمود أسطوري". و تُختزل دماء الآلاف من الأبرياء إلى مجرد أرقام في الخطابات الحماسية البائسة، لكن أخطر ما تصنعه هذه السرديات الراديكالية ليس تزييف المعنى فحسب، بل تعطيل رادارات الوعي لدى الجماهير. إنها تمارس ما وصفه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار بـ "المحاكاة الساخرة" ، حيث ينفصل الخطاب عن الواقع تماماً، ليعيش الفصيل في واقع افتراضي صنعه لنفسه، بعيداً عن  الضحايا و الأنقاض. وفي هذا الفضاء الموبوء، تُصنف الحقيقة  كـ "خيانة وطنية"، وتتحول المطالبة بالنقد والمحاسبة إلى طعنة في الظهر.

هذه الديناميكية المرضية ليست طارئة على فضاء التاريخ العربي ؛ بل هي امتداد فكري  لـ "عقدة إنكار الهزيمة" التي شخّصها المفكر السوري صادق جلال العظم عقب نكسة حزيران 1967 في كتابه الفذ "النقد الذاتي بعد الهزيمة". يومها، خرجت الأبواق الرسمية لتعلن "انتصار" النظام لأن العدو فشل في إسقاطه، تماماً كما تخرج الأبواق اليوم لتعلن النصر بينما تلاشت مدن كاملة عن الخارطة البشريّة والجغرافيّة. وبدلاً من أن يكون بطش العدو  الصهيوني الجارف و الذي تلا الطوفان محطة شجاعة للمراجعة الجذرية وتحمّل المسؤولية الأخلاقية والسياسية الكاملة عن كلفة المغامرة، تم تحويل الكارثة إلى أيقونة للاحتفال الإلهي المزعوم.

بالتأكيد، لن يتردد حراس الأيديولوجيا في إشهار ترسانتهم الدفاعية الجاهزة ضد هذا الطرح. سيبدأون فوراً بـ "شيطنة النوايا"، فيتّهمون هذا النقد بالانهزامية وتبني رواية العدو وجلد الذات. وهي مغالطة منطقية كلاسيكية تهدف إلى التهرب من نقاش الفكرة بالفكرة، وتحصين النخبة من دفع ثمن خطاياها؛ فالمحاسبة ليست خيانة، بل هي أعلى درجات المسؤولية الوطنية، وحماية أرواح البشر ومستقبلهم هي الغاية الأسمى لأي فعل وطني حر. وعندما تصطدم الأيديولوجيا بالأرقام وحجم الفاجعة، ستلجأ إلى إعادة تعريف النصر عبر فصل النتائج عن الأهداف. سيقولون إن النصر لا يُقاس بحجم الخراب، بل بـ "كسر هيبة الخصم" أو "إبقاء القضية حية"، مستشهدين بالثورات التاريخية الكبرى. لكن التفكيك المعرفي يكشف الفرق البنيوي بين "التضحية الاستراتيجية" و"المقامرة الانتحارية". في الثورات الناجحة، تكون الكلفة البشرية ضمن خطة استنزاف مدروسة وبإجماع شعبي وبوجود شبكة أمان حقيقية تحمي الحاضنة. أما تحويل إبادة الحاضنة وتدمير الأرض وفقدان مقومات الحياة إلى "إنجاز" لمجرد بقاء الهيكل السياسي للفصيل، فهو استخفاف دموي بالإنسان؛ إذ من ذا الذي سيعيش ليحصد ثمار هذا النصر المزعوم؟ وإذا ضاقت بالمسؤولين السبل السياسية، سيتجهون إلى الميتافيزيقيا ، بنقل النقاش إلى الحقل الغيبي، معتبرين الكارثة "ابتلاءً وتمحيصاً للشهادة". هذا الهروب يمثل "استقالة تامة للعقل" وتوظيفاً انتهازياً للدين لتغطية العقم الاستراتيجي؛ فالقوانين الكونية تحكم الصراعات بناءً على موازين القوى والإعداد والخطط الموضوعية، وكما قال الفيلسوف ابن رشد: "إن الله لا يمكن أن يعطينا عقولاً ويعطينا شرائع تخالفها". أما ذريعة "الاضطرار" وأن الفعل كان انفجاراً حتمياً لا خياراً رفاهياً، فلا تعفي الصانع من التبعة. نعم، المعتدي يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن بطشه، لكن القيادة التي تصنع القرار وتتحكم بمصير الملايين ليست مجرد ضحية منفعلة، بل هي فاعل سياسي وعسكري تقع على عاتقه مسؤولية تقدير ردود الفعل وحماية شعبه. إن إعفاء الذات بحجة الاضطرار يعني تجريد القيادة من صفتها وتحويلها إلى أداة عشوائية، وهو ما يتناقض مع ادعاءاتها بالحكمة والتدبير الاستراتيجي، ويجسد بامتياز ما قاله عالم الاجتماع علي الوردي: "إن الأيديولوجيا المعصوبة العينين لا ترى في التاريخ إلا ما يوافق هواها، فإذا اصطدمت بالواقع، لعنت الواقع".

عندما يُصبح تغيير "اسم الهزيمة" كافياً بقرار فصائلي لادعاء النصر، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في الخسارة المادية التي قد تعوضها أموال الإعمار، بل في عقم العقل الـمُدبّر الذي يرفض التعلم. إن تكرار نفس الآليات والقرارات، مع انتظار نتائج مختلفة في المرة القادمة، ليس خطأً سياسياً فحسب، بل هو  حديث مزدوج  او حسب  جورج أورويل في  روايته  الاستشرافية 1984 التعريف الفلسفي والسيكولوجي الأدق للجنون التاريخي الجماعي.ولا غالب إلا الله