شريط الأخبار
الانتخابات الإسرائيلية.. صناديق اقتراع في سوريا عراقجي يكشف تفاصيل اتصاله مع بن فرحان ويعرض وساطة إيران بين السعودية والحوثيين أوضاع خطيرة يعيشها الأسرى في معسكرات التعذيب الإسرائيلية.. تجويع وضرب وظروف احتجاز غير إنسانية أطعمة تحسن وظائف الدماغ محلل سياسي تركي: الانخراط في نزاع مع الحوثيين قد يتحول إلى فخ لتركيا احتجاجات حاشدة في سويسرا تنديدا بحرب غزة فرنسا.. احتدام المواجهات بين طلاب المدارس والشرطة واعتقالات بالآلاف عمّان الأهلية تستضيف امتحان مزاولة مهنة الصيدلة بمشاركة نحو 800 خرّيجاً وخرّيجة السياسات الحكومية بين المومني، والمعشر السجن ليس حلاً لكل مشكلة... مراجعة وطنية مطلوبة "الكون 25" وأزمة السير في عمّان: المشكلة ليست في الأعداد وحدها، بل في إدارة المكان من المبادرة إلى المؤسسة: عندما لا يكفي الحماس لصناعة الأثر جريمة هدم جماعية لعشرات بيوت ومسجد قرية الضحية في النقب الأمم المتحدة: 352 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلون في الأردن الأمانة تكثف الرقابة لمنع الأراجيل في الحدائق بجولات صباحية ومسائية الملك ورئيس الوزراء الماليزي يبحثان رفع مستوى التعاون بين البلدين الملك يستهل زيارة الدولة إلى ماليزيا بمباحثات مع العاهل الماليزي مشروع مقترح لإنشاء تلفريك يربط مكاور بالبحر الميت في مأدبا الأردن يشارك في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 85.20 دينارا للغرام

من المبادرة إلى المؤسسة: عندما لا يكفي الحماس لصناعة الأثر

من المبادرة إلى المؤسسة: عندما لا يكفي الحماس لصناعة الأثر


بقلم: محمد حاتم الروسان

 

لم يعد العمل التطوعي اليوم مجرد نشاط اجتماعي نمارسه في أوقات الفراغ، أو فعالية تنتهي بانتهاء ساعاتها، أو صورة جماعية تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي انما أصبح جزءًا من قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات، واستثمار طاقات الشباب، والوصول إلى فئات قد لا تصل إليها الأدوات التقليدية - لكن، وبكل صراحة، ما زال جزء من العمل التطوعي العربي، والأردني تحديدًا، عالقًا في مرحلة المبادرة ولم يصل بعد إلى مرحلة المؤسسة ، ان المشكلة ليست في نقص الحماس، ولا في غياب الشباب القادر على العطاء، على العكس، لدينا طاقات شبابية كبيرة، وأفكار كثيرة، ومبادرات تظهر في مختلف المحافظات والمجتمعات المحلية، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة هو: كم مبادرة بدأت بحماس وانتهت بصمت؟ وكم فعالية نفذت ثم اختفى أثرها بعد أيام؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية

المبادرة قد تبدأ بفكرة جميلة، لكن الفكرة وحدها لا تصنع أثرًا مستدامًا والحماس يمكن أن يجمع عشرات المتطوعين في يوم واحد، لكنه لا يستطيع وحده إدارة برنامج يمتد لعام كامل والمنشور الذي يحصد آلاف المشاهدات لا يعني بالضرورة أن المبادرة أحدثت تغييرًا حقيقيًا في حياة الناس فنحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح في العمل التطوعي ،ليس النجاح بعدد الفعاليات، ولا بعدد الصور، ولا بعدد الإعجابات انما النجاح الحقيقي هو أن تستطيع المبادرة الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا تغير بعد أن تدخلنا؟

إذا نظمنا يومًا طبيًا، فكم شخصًا استفاد؟ وهل وصلنا فعلًا إلى الفئات الأكثر حاجة؟ وإذا أطلقنا حملة بيئية، فما الذي تغير بعد انتهاء الحملة؟ وإذا قدمنا تدريبًا للشباب، كم منهم استخدم المهارات التي تعلمها؟ هذه الأسئلة قد تكون مزعجة أحيانًا، لكنها ضرورية إذا أردنا الانتقال من العمل التطوعي التقليدي إلى العمل التطوعي المؤثر ، والانتقال من المبادرة إلى المؤسسة لا يعني تحويل العمل التطوعي إلى بيروقراطية جديدة فالمقصود هو بناء منظومة تحافظ على روح التطوع، لكنها تضيف إليها التخطيط والتنظيم والحوكمة

الفريق الذي لا يمتلك هيكلًا واضحًا قد يعتمد على أشخاص محددين وإذا غاب هؤلاء، غاب معهم جزء كبير من العمل، أما الفريق المؤسسي فيوزع الأدوار والمسؤوليات، ويضع آليات لاتخاذ القرار، ويحدد المسؤوليات، ويقيم الأداء، ويحتفظ بالمعرفة والخبرة حتى لا يبدأ من الصفر في كل مرة ، وهنا تبرز قضية مهمة: هل نربي متطوعين، أم نبني قيادات؟

العمل التطوعي الحقيقي يجب أن يكون مدرسة لإعداد الشباب، وليس مجرد وسيلة لتنفيذ الفعاليات فالمتطوع الذي يبدأ اليوم بالمشاركة في تنظيم نشاط، يجب أن يجد بعد فترة فرصة لتولي مسؤولية، ثم إدارة مشروع، ثم قيادة فريق، وربما المشاركة مستقبلًا في صناعة السياسات والقرارات التي تخدم المجتمع وهذا يتطلب تغييرًا في طريقة تفكير بعض الفرق التطوعية، لا يكفي أن نسأل: من يستطيع مساعدتنا في تنفيذ النشاط القادم؟ بل يجب أن نسأل: كيف نبني جيلًا قادرًا على قيادة العمل المجتمعي بعد خمس أو عشر سنوات؟

ومن جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن الاستدامة دون الحديث عن الشراكات

المبادرات التطوعية لا ينبغي أن تعمل بمعزل عن مؤسسات الدولة والبلديات والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني ، الشراكة ليست مجرد وضع الشعارات على الدعوات والبوسترات؛ الشراكة الحقيقية تعني تبادل الخبرات والموارد والمسؤوليات، وتحديد نتائج يمكن قياسها ، كما أن التمويل المستدام يمثل تحديًا حقيقيًا فمن غير الواقعي أن نتوقع من فريق تطوعي أن يستمر سنوات بالاعتماد على جهود شخصية أو تبرعات ظرفية لذلك نحتاج إلى نماذج أكثر تنظيمًا للتمويل، مع شفافية واضحة في إدارة الموارد، وتقارير دورية تظهر أين ذهبت الأموال وماذا حققت ، وهنا تأتي الحوكمة، وهي كلمة قد تبدو كبيرة على فريق تطوعي صغير، لكنها في الحقيقة تبدأ من إجراءات بسيطة: محاضر اجتماعات، توزيع واضح للصلاحيات، نظام مالي، آلية لاتخاذ القرار، معايير لاختيار المشاريع، وتقييم دوري للأداء ن فالشفافية لا تبدأ عندما يكبر الفريق؛ بل هي التي تساعد الفريق على أن يكبر بطريقة صحيحة والأهم من ذلك كله، أن علينا أن نتوقف عن النظر إلى الشباب باعتبارهم مجرد منفذين للأنشطة فالشباب ليسوا أيدٍ عاملة مجانية لتنفيذ الفعاليات، بل شركاء في صناعة الحلول ، عندما نمنح الشباب مساحة للتفكير والتخطيط واتخاذ القرار، فإننا لا نطوّر مبادرة فقط، بل نطوّر شخصية قيادية قادرة على تحمل المسؤولية وهذا الاستثمار قد يكون أهم من أي فعالية مؤقتة

ربما حان الوقت لأن ننتقل من ثقافة (كم فعالية نفذنا؟) إلى ثقافة (كم مشكلة ساهمنا في حلها؟)

ومن ثقافة (كم شخصًا حضر؟) إلى (كم شخصًا استفاد؟)

ومن ثقافة )كم منشورًا نشرنا؟(إلى )ما الأثر الذي بقي بعد أن انتهى المنشور؟(

هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تنقل العمل التطوعي من نشاط جميل إلى قوة مجتمعية حقيقية

الأردن يمتلك شبابًا قادرين على العطاء، ومبادرات كثيرة تستحق الدعم، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ما هو أبعد من الحماس ، تحتاج إلى مؤسسات تطوعية تعرف كيف تخطط، وكيف تقيس، وكيف تحاسب، وكيف تتعلم من أخطائها، وكيف تستمر حتى عندما تتغير الوجوه ، المبادرة قد تبدأ بشخص يؤمن بفكرة، لكن المؤسسة تجعل الفكرة أكبر من صاحبها .

وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن نبني مبادرات لا تنتهي بانتهاء أصحابها، بل مؤسسات تستمر لأن لديها رسالة واضحة، وقيادة شابة، ونظامًا يحمي العمل، وأثرًا يمكن أن يراه المجتمع ويقيسه

فالعمل التطوعي ليس عدد الساعات التي قدمناها فقط، بل القيمة التي تركناها بعد أن انتهت ساعات التطوع