شريط الأخبار
الانتخابات الإسرائيلية.. صناديق اقتراع في سوريا عراقجي يكشف تفاصيل اتصاله مع بن فرحان ويعرض وساطة إيران بين السعودية والحوثيين أوضاع خطيرة يعيشها الأسرى في معسكرات التعذيب الإسرائيلية.. تجويع وضرب وظروف احتجاز غير إنسانية أطعمة تحسن وظائف الدماغ محلل سياسي تركي: الانخراط في نزاع مع الحوثيين قد يتحول إلى فخ لتركيا احتجاجات حاشدة في سويسرا تنديدا بحرب غزة فرنسا.. احتدام المواجهات بين طلاب المدارس والشرطة واعتقالات بالآلاف عمّان الأهلية تستضيف امتحان مزاولة مهنة الصيدلة بمشاركة نحو 800 خرّيجاً وخرّيجة السياسات الحكومية بين المومني، والمعشر السجن ليس حلاً لكل مشكلة... مراجعة وطنية مطلوبة "الكون 25" وأزمة السير في عمّان: المشكلة ليست في الأعداد وحدها، بل في إدارة المكان من المبادرة إلى المؤسسة: عندما لا يكفي الحماس لصناعة الأثر جريمة هدم جماعية لعشرات بيوت ومسجد قرية الضحية في النقب الأمم المتحدة: 352 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلون في الأردن الأمانة تكثف الرقابة لمنع الأراجيل في الحدائق بجولات صباحية ومسائية الملك ورئيس الوزراء الماليزي يبحثان رفع مستوى التعاون بين البلدين الملك يستهل زيارة الدولة إلى ماليزيا بمباحثات مع العاهل الماليزي مشروع مقترح لإنشاء تلفريك يربط مكاور بالبحر الميت في مأدبا الأردن يشارك في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 85.20 دينارا للغرام

مخرجات الجامعات: من الشهادة إلى الكفاءة.

مخرجات الجامعات: من الشهادة إلى الكفاءة.


أ. د. اخليف الطراونة 

ماذا تعني الشهادة الجامعية إذا لم تعكس معرفة حقيقية، ولم تسندها مهارات تمكّن صاحبها من العمل والإنجاز؟ هذا السؤال لا ينتقص من قيمة التعليم الجامعي أو جهود الجامعات وأعضاء هيئات التدريس، بل يضعنا أمام جوهر الرسالة التي أُنشئت الجامعات من أجلها: إعداد خريجين قادرين على توظيف العلم في الحياة والعمل والإنتاج.

لقد أكدت دائمًا أنني لا أريد من الجامعة أن تخرّج طالبًا يحمل شهادة على ورق فحسب، بل طالبًا لديه مشروع على ورق، ومتسلحًا بالعلم والمعرفة والمهارات التي تؤهله لدخول أسواق العمل المحلية والإقليمية والعالمية. والمقصود بالمشروع ليس بالضرورة مشروعًا تجاريًا، وإنما فكرة قابلة للتطبيق، أو مبادرة قابلة للتطوير، أو قدرة مهنية تمكّن الخريج من تحويل ما تعلمه إلى قيمة مضافة لنفسه ومجتمعه.

فالعالم يتغير بسرعة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل المهن والوظائف، ولم يعد كافيًا أن يحفظ الطالب المعلومات ويجتاز الامتحانات؛ بل ينبغي أن يمتلك القدرة على التفكير النقدي، والتحليل، وحل المشكلات، والتواصل، والعمل الجماعي، والتعلم المستمر. وهذا يتطلب مراجعة البرامج والتخصصات الجامعية بصورة دورية، وتطوير طرائق التدريس والتقييم، وتعزيز التدريب العملي، وبناء شراكات حقيقية مع مؤسسات العمل والإنتاج، دون اختزال رسالة الجامعة في تلبية احتياجات سوق العمل الآنية وحدها.

لكن كيف نعرف أن الجامعة نجحت فعلًا في إعداد خريجيها؟ هنا تبرز ضرورة الانتقال من قياس أعداد الخريجين ومعدلات النجاح إلى قياس ما اكتسبه الطلبة من معارف ومهارات وكفايات، وما أصبحوا قادرين على أدائه بعد التخرج.

فالقياس الحقيقي يبدأ بتحديد واضح لما ينبغي أن يمتلكه خريج كل تخصص، والتحقق من اكتسابه من خلال أدوات تقييم مناسبة تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. كما يتطلب متابعة الخريجين ومساراتهم المهنية، والاستماع إلى أصحاب العمل، والتعرف إلى الفجوات بين مخرجات البرامج ومتطلبات المهن، ثم توظيف هذه النتائج في تطوير التعليم. ولا ينبغي أن تنتهي المتابعة باستبانة أو تقرير يُحفظ في الملفات، بل يجب أن تقود إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وأن يُقاس أثر تلك القرارات في تحسين النتائج.

وهنا تقع مسؤولية مهمة على عاتق صانعي السياسات التعليمية ومجالس الحاكمية في الجامعات. فليس المطلوب أن تنشغل هذه المجالس بالتفاصيل الأكاديمية اليومية، وإنما أن تضمن وجود استراتيجية واضحة للجودة، ومؤشرات أداء موضوعية، ونظام فاعل للمساءلة والتحسين المستمر. ومن حق هذه المجالس، بل من واجبها، أن تسأل: ماذا تعلم الطلبة فعلًا؟ وما الكفايات التي اكتسبوها؟ وأين تكمن مواطن القصور؟ وما الإجراءات التي اتخذتها الإدارة لمعالجتها؟ وهل انعكست هذه الإجراءات على مستوى الخريجين؟

إن الحاكمية الرشيدة لا تكتفي بإقرار الخطط ومتابعة الموازنات والإجراءات، بل تتحقق من النتائج، وتربط المسؤولية بالأداء، وتحترم في الوقت نفسه استقلالية الجامعة وحرية العمل الأكاديمي المسؤول. كما أن تطوير المخرجات مسؤولية مشتركة بين الجامعات والجهات المشرفة عليها ومؤسسات العمل والإنتاج، وإن ظلت الجامعة مسؤولة عن جودة التعليم الذي تقدمه.

ولا يعني القياس الحقيقي اختزال نجاح الجامعة في معدل توظيف خريجيها؛ ففرص العمل تتأثر بالظروف الاقتصادية والاستثمار والسياسات العامة وطبيعة الطلب على المهن. المطلوب منظومة متوازنة تقيس تحقق نواتج التعلم، والكفايات المهنية، وقدرة الخريجين على الابتكار والتطور، إلى جانب متابعة مساراتهم الوظيفية وآراء أصحاب العمل، وفق مؤشرات تراعي طبيعة التخصصات وتتيح تقييمًا عادلًا وموضوعيًا.

وفي هذا السياق، ينبغي أن نضع الاعتماد الأكاديمي في مكانه الصحيح. فهو ضرورة لضمان الجودة والتحقق من استيفاء المعايير، لكنه ليس الغاية النهائية. فالغاية هي أن نتحقق من أن الطالب قد تعلم فعلًا، وأنه يمتلك عند تخرجه المعارف والمهارات التي يؤهله تخصصه لاكتسابها. وقد تستوفي الجامعة متطلبات الاعتماد، لكنها تظل مطالبة بتقييم أثر برامجها في تعلم الطلبة وقدرتهم على التطبيق والإنجاز.

إننا لا نحتاج إلى التقليل من قيمة الشهادة الجامعية، بل إلى تعزيز قيمتها الحقيقية، ولا إلى التشكيك في الجامعات، بل إلى تمكينها من التطوير ومساءلتها عن النتائج. فالجامعة الناجحة ليست التي تمنح أكبر عدد من الشهادات فحسب، وإنما التي تستطيع أن تثبت أن خريجيها يمتلكون المعرفة والكفايات التي يحتاجون إليها، وأنهم قادرون على مواصلة التعلم والمنافسة والإسهام في التنمية.

وفي المحصلة، ينبغي ألا يكون السؤال الذي يحكم قراراتنا في التعليم العالي: كم شهادة منحنا؟ بل: ماذا أصبح خريجونا قادرين على أن يفعلوا بما تعلموه؟ عندما يصبح هذا السؤال أساسًا لتصميم البرامج وتقييم الجامعات ومساءلة إداراتها ومجالس حاكميتها، نكون قد بدأنا الانتقال من قياس الشهادات إلى قياس الكفاءة، ومن استيفاء المتطلبات إلى تحقيق الأثر.