"الكون 25" وأزمة السير في عمّان: المشكلة ليست في الأعداد وحدها، بل في إدارة المكان
وائل منسي
كشفت تجربة «الكون 25» لعالم السلوك الأمريكي جون كالهون كيف
يمكن للاكتظاظ، داخل بيئة مغلقة، أن يفضي إلى اضطراب السلوك والتفاعلات
الاجتماعية، رغم وفرة الموارد.
ورغم أن إسقاط نتائجها مباشرة على المجتمعات البشرية ليس
دقيقًا علميًا، فإنها تفتح بابًا للتأمل في كلفة الاكتظاظ حين تعجز الإدارة عن
مواكبة النمو.
في عمّان ومدن أردنية أخرى، لم تعد أزمة السير مجرد ازدحام
يومي؛ بل أصبحت اختبارًا لقدرة التخطيط الحضري والإدارة العامة على حماية وقت
الناس وأعصابهم وإنتاجيتهم وجودة حياتهم. المشكلة ليست في عدد المركبات وحده، بل
في شوارع لم تعد تستوعب أنماط التنقل الحالية، ونقل عام غير كافٍ، واختناقات
متكررة، وممارسات مرورية تحتاج إلى ضبط، وقرارات مؤجلة رغم وضوح كلفتها.
إدارة السير تبذل جهودًا ملموسة، لكنها لا تستطيع وحدها حل
أزمة تتجاوز صلاحياتها وأدواتها.
المطلوب إرادة سياسية
وإدارية تتعامل مع شوارع عمّان بإجراءات جراحية، صعبة وجريئة، تعيد توزيع المساحات
والأولويات، وتعزز النقل العام، وتضبط الوقوف والتعديات، وتراجع اتجاهات السير
والتقاطعات والإشارات وفق بيانات ميدانية، لا وفق حلول تجميلية أو مؤقتة.
الحلول ليست معجزات، لكنها تحتاج إلى قرار يوازن بين مصالح
الأفراد والمصلحة العامة، ويواجه الاعتراضات، ويكسر أسر المعالجات التقليدية.
فليس مقبولًا أن يبقى وقت
آلاف المواطنين رهينة اختناق يومي، بينما تتوزع المسؤولية بين مؤسسات تعمل كلٌّ
ضمن حدودها دون قيادة موحدة وخطة قابلة للقياس والمساءلة.
أزمة السير ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات تخطيطية
وإدارية يمكن تغييرها. والدرس الأهم ليس أن الاكتظاظ يقود حتمًا إلى الانهيار، بل
أن المدن التي لا تطوّر إدارتها بقدر تطورها السكاني والعمراني، تدفع أثمانًا
متزايدة من وقت الناس وأعصابهم واقتصادها.
عمّان لا تحتاج إلى معجزة؛ تحتاج إلى شجاعة القرار، وتكامل
المؤسسات، وحلول جذرية تبدأ اليوم قبل أن يصبح الاختناق جزءًا طبيعيًا من حياة
المدينة.



















