السعودية و"المستنقع اليمني": الخيار الوحيد الذي لم تجربه المملكة
كتب: عريب الرنتاوي
تُعيد الرياض تجريب
خياراتها و"بدائلها" في التعامل مع أنصار الله، ظناّ منها أن ما لم ينجح
في المرة الأولى، قد ينجح في المرة التالية...جرّبت الحرب تحت راية "التحالف
العربي"، فكانت ضروساً، أكلت الأخضر واليابس، وامتد لسنوات ثمانية، قبل أن
تصمت مدافعها من دون أن تحقق أهدافها...اليوم، يبدو أن عدوى نظرية "ما لم
تحققه القوة يتحقق بالمزيد منها"، قد انتقلت إلى مركز صنع القيادة في الرياض،
لتتجدد الحرب من جديد، ولكن بضراوة أكبر وشراسة أشد.
جرّبت الحصار والعزل
والعقوبات، لأكثر من عقد من الزمان، فلمّا فشل في كسر شوكة الحوثيين، أقدمت في
الثالث عشر من تموز/يوليو الماضي، على قصف مدرجي الإقلاع والهبوط في مطار صنعاء،
لمنع هبوط طائرة إيرانية على متنها وفد يمني كان أتم زيارة لطهران لتقديم واجب
العزاء بالمرشد الراحل، في عملية أريد بها التذكير بالحصار المضروب على المطار،
فكانت تلك شرارة الحرب التي تجددت على نحو غير مسبوق بين الجانبين، والتي تتوالى
فصولها في البر والجو والبحر، وتضرب العمق السعودي كما اليمني.
الخيار الذي أحجمت
المملكة عن تجريبه، هو خيار التفاوض والحوار مع الحوثيين، مباشراً كان أم عبر
وسطاء موثوقين، فالهدنة بحكم طبيعتها، مؤقتة، ولا تعالج جذور الأزمة، ولا تنجز
التسويات المرغوبة بين المطالب والمصالح المتناقضة للأطراف، صحيح أنها تعطيها
"استراحة محارب"، لكن الصحيح عادة، أن المحاربين يستغلون هذا الوقت،
لملء مستودعاتهم بالأسلحة والذخائر، وإجراء الاستعدادات لجولات قتال لاحقة.
سقوط التهدئة
انتهى التمديد الثاني
لاتفاق التهدئة في الثاني من أكتوبر/تشرين أول 2022، من دون الاتفاق على تمديد
ثالث لتباعد المواقف بين الأطراف، على أن وقف النار ظل سارياً، وشهدت السنوات
الأربع الفائتة، خفضاً للتصعيد لم تعكر صفوه، سوى أحداث متفرقة لم تستحدث خرقاً أو
اختراقاً، حتى الغارة على مطار صنعاء قبل ثلاثة أشهر.
بعد عام من توقيع
الاتفاق، زار وفد سعودي صنعاء (أيلول 2023)، للبحث في إمكانية دفع مسار سياسي
يُفضي إلى حلول مستدامة ... فجوة المواقف المتسعة بين الطرفين من جهة أولى، وإصرار
الرياض على أنها "راعي ووسيط" وليست طرفاً في الأزمة اليمنية من جهة
ثانية، واندلاع "طوفان الأقصى" الذي بدل الخرائط والموازين والأولويات
من جهة ثالثة، أبقى كل شيء عالقاً، أبقى الملفات مفتوحة على مصاريعها، وفتح الأزمة
اليمنية – اليمنية، واليمنية - السعودية، على شتى الاحتمالات والسيناريوهات.
انشغل الحوثيون بحرب
إسناد غزة، وسجلوا نتائج ملموسة، سُجّلت لهم لا عليهم، انتقلوا بعدها من مجرد لاعب
محلي، إلى لاعب إقليمي، سيما بعد إبرامهم تفاهمات مع إدارة ترامب بوقف استهدافهم
نظير عدم تعرضهم للسفن والأصول الأمريكية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وبدا
أن ملف علاقاتهم بالرياض قد دُفِع للخلف ... في هذه الأثناء، انخرط "الأخوة
الأعداء" في قيادة التحالف العربي، في حرب بالوكالة في جنوب اليمن، انتهت بإلحاق
ضربة قاسية بنفوذ الإمارات وحلفائها الجنوبيين، وبسط المملكة سيطرة شبه تامة على
ذلك الشطر من اليمن، ومن عليه.
وفي حديث مع قيادي بارز
في أنصار الله، قال إن الحرب التي تدور رحاها اليوم، كان يتعين أن تندلع قبل
عامين، بالنظر لانسداد مسارات الحل وتفاقم تداعيات الحصار، لكن
"الطوفان" وارتداداته، أرجأت الأمر برمته، بالنظر للطابع الوجودي للحرب
الأمريكية – الإسرائيلية على الإقليم برمته، وليس على غزة وحدها.
نقول ذلك، ونستعيد بعض
محطات الماضي القريب، لمواجهة "سردية اختزالية مُخلّة"، تريد أن تصور
تجدد الحرب والمواجهة، كما لو أنها استجابة حوثية لـ "أمر عمليات" إيراني،
وهي سردية فضلاً عن بطلانها وسطحيتها، فإنها تلحق ضرراً بأصحابها إن كانوا فعلاً
مؤمنين بها، ولا يرددونها من باب "المناكفة" و"الشيطنة" فحسب،
ذلك أن سوء تقدير وضع الحوثيين ومكانتهم، يقود لأكثر الاستنتاجات خطأ وضرراً، ولقد
توسعنا في مقال سابق على هذا الموقع، في شرح ما نريد قوله.
صحيحٌ أن أنصار الله لا
تُخفي علاقتها العضوية بإيران ومحورها، وصحيحٌ أنها لم تتردد من قبل في خوض إسناد
غزة، وقد لا تتردد من بعد في خوض معركة إسناد حزب الله وإيران، ولكن الصحيح فوق
هذا وذاك، أنها جماعة من صلب نسيج اليمن، ومكوّن أساسي من مكوناته، وأن اليمن، وإن
كان لا يحكم بها وحدها، إلا أنه لن يحكم من دونها.
جولة أم حرب
بعد هجوم تموز على مطار
صنعاء، بدا أن انقلاباً قد طرأ على خطاب الحوثيين واستعداداتهم، طرح زعيمهم معادلة
"الحصار بالحصار"، "الموانئ بالموانئ" و"المطارات
بالمطارات"، لم يأخذ كثيرون الأمر على محمل الجد والجدية، إلى أن تفاقمت
المواجهة على الأرض بفرض سيطرتهم على الساحل وصولاً إلى تعز وباب المندب، وفي
السماء عبر ضربات متبادلة في العمق السعودي واليمني...لم يعد أحد في صنعاء يتحدث
عن السعودية بالمجرد، بل بوصفها "العدو السعودي"، وجرى إدراج
المعارك الدائرة معها كحلقة في الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على غزة ولبنان
وصولاً إلى طهران، الأمر الذي يعني من ضمن ما يعني، أن الرهان بات منعقداً أكثر
على خيار "القوة العسكرية"، وأن باب التسويات والمفاوضات، بات مغلقاً،
حتى وإن لم يكن بإِحكام.
سعت المملكة الى إبراء
نفسها من اتهامات الانخراط العملي في العمليات الحربية، امتداداً لنظرية
"الراعي والوسيط، لا الطرف" في الحرب، نسبت هجوم المطار إلى "سلاح
الجو اليمني-الشرعي"، ولم يسبق لأحد أن سمع عن أمرٍ كهذا من قبل، فلم
نعرف أن للشرعية طيرانٍ حربيّ يتعدى المسيّرات، ولم نسمع عن مطارات عسكرية، ولم
نقرأ عن صفقات تسلح ابرمتها حكومة رشاد العليمي مع أي مزوّد لهذا النوع من
الأسلحة...وعندما اندلعت معارك الساحل الغربي واشتدت الحاجة للتغطية الجوية، استمر
القول بأن "طيران الشرعية" من طراز تايفون والإف 16 هو من يقوم بتوفير
التغطية والإسناد، إلى أن بدا أن القصة برمتها، أقرب إلى الهزل، ولم يعد من سبيل
أمام "الشرعية" سوى أن تعلن عن "فجر اليمن"، فتقوم المملكة
على رأس التحالف الذي لم يبق منه سواها، بتوفير الإسناد الجوي، ودائماً بطلب من
الشرعية واستجابة لنداءاتها!
كان التحالف العربي –
الإسلامي الذي قادته المملكة، بشراكة نشطة مع الإمارات، قد انفرط عقده، قبل أن تضع
حرب السنوات الثماني أوزارها، ولم تُبق الدول المنخرطة فيه، في غرفة عملياته، سوى
أعلامها وراياتها في خلفية المشهد، مع قليل من الإسناد المعنوي واللوجستي
والاستخباري...أما الإمارات التي كانت شريكاً فاعلاً على الأرض وفي السماء، في حرب
السنوات الثمانية، فقد أعلنت من جانب واحد، انتهاء عملياتها وتحقيق أهداف
مشاركتها، قبل أن ينخرط الشريكان القائدان لـ "عاصفة الحزم" في حرب بالوكالة
في جنوب اليمن، وبقية القصة معروفة.
لا يعني ذلك، أن
السعودية تخوض حربها الراهنة في اليمن، متفردة، فثمة أطراف عربية ودولية دخلت على
خط "الإسناد" وأخرى تنتظر وتتحضّر، وفي ظني أن ما بعد الهجوم الصاروخي
الحوثي على مطار الملك خالد في الرياض ليس كما قبله، وأنه سيدفع بدول مترددة إلى
مغادرة مربع التردد، وسط توقعات بأن جولات ساخنة من المواجهة تبدو أكثر ترجيحاً في
قادمات الأيام، قبل أن يصبح الحديث مجدداً عن وساطات وتسويات، أمراً ممكناً.
حرب السنوات الثمانية
أخفقت في تحقيق أهدافها، وأنصار الله تقوّت وهي تتمدد اليوم، ولا أدري ما الذي
يدفع بعضهم للاعتقاد بأن حظوظ حرب ثانية، ستكون أفضل من حظوظ حربٍ سبقتها، اللهم
إلا إن كان رهانهم منعقداً على أن إيران وحلفاءها، باتوا في أكثر لحظاتهم ضعفاً،
وأن الهزيمة تقرع أبوابهم، وتلك فرضية ترددت طويلاً في الأعوام الثلاثة الفائتة،
وفي كل مرة، يثبت أنها ما زالت بحاجة لتصويب وتدقيق.
ولا يمكن للمملكة المضي
في "حالة إنكار" لأضرار وتداعيات الحصار المضروب على اليمن، والذي يطال
بتأثيراته ثلاثة أرباع اليمنيين، أو القول بأن ما هو متاح من رحلات مقيدة ومحدودة
أو عبور مقلص عبر الموانئ، يكفي الشعب اليمني مؤونة النقص في الغذاء والدواء، وإن
إجراءاتها لا تطال إلا الجماعة الحوثية، وتستهدف حصراً إمدادات السلاح.
وقائع اليمنيين
ويومياتهم تقول بخلاف ذلك، وتقارير المنظمات الدولية توثق الفاقة والعوز ونقص
الدواء والثمرات وانقطاع الرواتب...وإذا كان ممكنا بقاء هذا الحال لعام أو عامين،
فإن استطالة أمده تبدو من المُحال، وأن الانفجار إن لم يأت على أيدي الحوثيين، فقد
ينبعث من حواضنهم ومن قطاعات شعبية واسعة، اكتوت وتكتوي بنار التسويف والمماطلة.
الخيار الذي لم تجربه
المملكة
الخيار الذي لم تجربه
المملكة حتى الآن، وبالجدية المطلوبة، هو أن تفتح باباً للحوار والتفاوض، مباشراً
أو عبر وساطة موثوقة (مسقط على سبيل المثال)، من أجل الوصول إلى حلول وتسويات لكل
القضايا الخلافية العالقة ... حوار يبدأ بين صنعاء والرياض، ولا ينتهي بهما، بل
يجلب إلى موائده كافة الأطراف اليمنية، وعلى قاعدة أن اليمن لا يحكم بفريق واحدٍ
من اليمنيين، مثلما يستدعي دولٍ وجوارٍ له مصالح يتعين مراعاتها، ومخاوف يتعين
تبديدها، وفي هذا السياق، يمكن أن تكون إيران جزءاً من الحل، بدل أن تكون جزءاً من
المشكلة.
والإطار الثلاثي
المتشكل حديثاً، عليه أن يبدأ بالدبلوماسية، حتى لا يقال فيه "من أول غزواته
كسر عصاته"، وأن يبادر بما له من صلات من الحوثيين والإيرانيين بخاصة، إلى
تسليك قنوات "الدبلوماسية الجماعية"، بدل الاستجابة لنداءات "فرد
العضلات"، والمجازفة بإشعال حرب فائضة عن الحاجة، في وقت تبدو المنطقة فيه
بأمس الحاجة للاستقرار بعد سلسلة الحروب والعدوانات المتناسلة، وفي ظني أن استجابة
سعودية لخيار من هذا النوع، ستشجع الأطراف على شحذ هممها، واجتراح أفكار ومبادرات
من داخل الصندوق وخارجه.
في لقاء ذات يوم، مع قيادي بارز من أنصار الله،
قال إن نقطة البدء في حل الأزمة اليمنية تبدأ على خط الرياض صنعاء، فتلكم هي
الحلقة الأولى في مشاريع الحل والحرب، ثم يجري توسيع دوائر صنع السلام والاستقرار،
بدءاً بالدائرة الوطنية اليمنية وليس انتهاء بالدائرة الإقليمية الأوسع .... وفي
ظني أنه آن أوان تجريب هذه المقاربة، غير المكلفة، وفي ظني أنها أقصر الطرق وأقلها
كلفة، على مختلف الأطراف، وبالأخص المملكة التي لديها الكثير مما قد تفقده، فهل آن
أوان التوقف عن تجريب المجرب، وسلوك طريق جديدة، علّها تفضي إلى نهايات مختلفة؟



















