الكليبتوقراطية... حكم اللصوص: إسرائيل نموذجاً
أستاذ العلوم السياسية - جامعة
القاهرة
بعد
مرور أكثر من قرنين على ظهور مصطلح الكليبتوقراطية kleptocracy في اللغة الإنجليزية في أوائل القرن التاسع
عشر - حيث تُنسب إحدى أقدم استعمالاته الموثقة إلى الكاتب البريطاني لي هنت سنة
1819، وكان يستعمله بمعنى "حكم طبقة من اللصوص" - عاد هذا المفهوم
لحقل العلوم السياسية مرة أخرى ليصف حالة الارتداد والتراجع التي وصلت إليها بعض
الدول العريقة في الممارسة الديمقراطية مثل الولايات المتحدة. فقد نشرت مجلة الشئون
الخارجية Foreign
Affairsدراسة في عدد مارس/أبريل 2026 عنوانها: "عصر حكم اللصوص: القوة الجيوسياسية،
والمكاسب الشخصية" The
Age of Kleptocracy: Geopolitical Power, Private Gain، أعدها أستاذان من أساتذة العلوم السياسية
في الولايات المتحدة هما: ألكسندر كولي، ودانيال نيكسون. قدمت هذه الدراسة تحليلاً
علمياً معمقاً لنظام حكم اللصوص الذي يشبه الديمقراطية في إجراءاته، ويشبه
الأوليجاركية، أي حكم التجار في طبيعة وخصائص النخبة الحاكمة، ولكنه في جوهره هو
حكم اللصوص أو النهّابين، وهذا النوع من الحكم متحقق بكل مواصفاته - حسب رأي الباحثين
- في هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس دونالد
ترامب.
وإذا
كان هذا النموذج ينطبق على النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة في فترة رئاسة
الرئيس دونالد ترامب، وهي لحظة مؤقتة تتعلق بفترة حكم مدتها أربع سنوات، وكما عهد
الدارسون في العلوم السياسية أن يُفرِّقوا بين الدولة، والنظام السياسي، والحكومة،
فإن نموذج حكم اللصوص ينطبق على الحكومة فقط في الولايات المتحدة في هذه اللحظة
التاريخية، وليس على النظام الذي يحكمه القانون، أو الدولة التي يُسيِّرها أفضل
دستور وضع في تاريخ البشرية.
وإذا
كانت الحالة الأمريكية مرحلة مؤقتة ارتبطت بممارسات الرئيس ترامب، فإن هناك حالة
مختلفة لحكم اللصوص تأسست عليها دولة كاملة، فأصبح نموذج الدولة ذاتها، ونظام
الحكم فيها، ودستورها وقانونها، والحكومات المتعاقبة على إدارة شئونها تمثل
تطبيقاً مثالياً لحكم اللصوص منذ إنشائها إلى تاريخ اليوم. هذا النموذج هو دولة
إسرائيل، التي تمثل حالة مثالية لحكم اللصوص على جميع المستويات الدستورية
والقانونية، والتشريعية، والقضائية، والتنفيذية، والإدارية، بل والشعبية.
وعلى
الرغم من أن الدعاية الصهيونية، وكل توابعها في الأكاديمية والإعلام الغربي تعودوا
أن يرددوا رطانة مستمرة تقول إن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط،
وهي النموذج الغربي للحكم في منطقة تموج بالدكتاتوريات والاستبداد والتخلف، بحيث
يتم توظيف هذه الدعاية لحشد الدعم والتأييد المالي والاقتصادي والسياسي لإسرائيل،
وفي الوقت نفسه نزع الشرعية عن العرب الذين تحتل إسرائيل أراضيهم، وتصادر أملاكهم،
وتهدم بيوتهم، وتقتلهم بلا سبب أو مبرر قانوني، فإن الدعاية المستمرة بأن إسرائيل
هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة تم توظيفها لتبرير كل الممارسات غير القانونية
التي تقوم بها إسرائيل، لأنه من حق الدول الديمقراطية أن تفعل ما تشاء، من حقها أن
تمتلك السلاح النووي لأنها دولة ديمقراطية، وليس من حق الآخرين أن يفكروا في
امتلاكه لأنهم نظم غير ديمقراطية، من حقها أن تدافع عما تتوهم أنه تهديد من خلال
العدوان المبكر ضد دول ومجتمعات توصم بأنها مصدر تهديد لتحقيق أهداف سياسية
واستراتيجية والاستيلاء على الأراضي، والمبرر الوحيد هو أن هناك تهديداً محتملاً
والغرب يقبل هذا لأن إسرائيل ديمقراطية ويدافع عن هذا لأنها دولة ديمقراطية.
إن شعار
الديمقراطية هذا يركز على الإجراءات فقط دون النظر إلى محتوى الممارسات السياسية،
أو حتى مضمون الدعاية الانتخابية، أو طبيعة القضايا التي يحصل بها الحزب الحاكم
على الأغلبية. فالديمقراطية في إسرائيل هي في حقيقتها ديمقراطية اللصوص، التي
يتجلى فيها حكم اللصوص من مرحلة ما قبل الانتخابات التي يعتبرها الغرب مؤشراً على
التحضر والتمدن والحداثة والممارسة الديمقراطية الأساسية. ففي مراحل ما قبل
الانتخابات دائماً يزداد العدوان على العرب، وترتفع وتيرة القتل في الفلسطينيين،
وتتوسع المستوطنات، وتهدم البيوت، ويقتل الأفراد في الشوارع بحجة أنهم إرهابيون
محتملون، والحزب الذي يظهر أنه أكثر شراسة في القتل والتدمير والاغتيال والاستيلاء
والتوسع سيكون الحزب الذي يحظى بأغلبية الانتخابات، وهذا في حد ذاته يعبر عن طبيعة
المجتمع الذي يوصف بأنه مجتمع ديمقراطي لكنه في الحقيقة هو نموذج مثالي لديمقراطية
اللصوص الذين يؤمنون بأن الاستيلاء على أملاك الآخرين، وتهجيرهم وتدمير بيوتهم،
وقتلهم هو هدف وطني ينبغي أن يتم انتخاب من يستطيع أن يحقق أعلى مستوى منه، وهنا
نستذكر ما قاله أينشتاين بشأن المجتمع الألماني الذي انتخب حزب ادولف هتلر، فقد
وصفهم بأنهم نازيون ويجب إبادتهم جميعاً، لأن من يمارس ذلك الحق الديمقراطي ويأتي
بحكومة تقتل وتصادر وتسرق هو من صنع هذه الحكومة وهو مسئول عن ممارساتها، لأنه جاء
بها عبر صناديق الاقتراع في انتخابات حرة ديمقراطية.
وعند
النظر في الممارسة الديمقراطية العملية في المجلس التشريعي (الكنيست) سنجد أن هذا
المجلس التشريعي يمارس حكم اللصوص بطريقة ديمقراطية، وسنقوم في هذه الورقة برصد
القوانين التي اتخذها الكنيست الإسرائيلي بصورة ديمقراطية غاية في الشفافية
لمصادرة الأراضي، وهدم البيوت، والتوسع والاحتلال وبناء المستوطنات من خلال تصويت
ديمقراطي فيه أغلبية وأقلية وامتناع عن التصويت، بصورة تقدم نموذجاً مثالياً
لديمقراطية اللصوص التي توظف الوسائل الديمقراطية في الاستيلاء على أملاك الآخرين،
واحتلال أراضيهم، وهدم بيوتهم، وتهجيرهم، والقضاء على إرثهم الثقافي، وتاريخهم
وهويتهم. هذا النموذج تمت التغطية عليه بشعارات الوسائل الديمقراطية، فكانت
الوسائل الديمقراطية الأشهر التي هي الانتخابات، والمجلس التشريعي، والتصويت،
والأغلبية والأقلية غطاءً لأكبر جريمة في تاريخ البشر مستمرة لأكثر من ثلاثة أرباع
القرن في التهجير والتدمير والقتل والاغتيال، حتى أصبحت هذه الدولة يعبر عنها
برمزيتين هما: الاغتيالات والجرافات، القتل بدون مبرر قانوني، وخارج إطار القانون،
وخارج ساحات الحرب، بحيث أصبح الاغتيال مشرعاً ديمقراطياً، وأصبح كذلك النموذج
الذي يعبر عن هوية إسرائيل هو الجرافة التي تهدم بيوت الفلسطينيين، وتمحو ذكرياتهم
وتاريخهم ومكان عيشهم، من أجل تحقيق أوهام وأساطير مصطنعة لا يقبلها قانون ولا عقل
بأنه كان هناك أجداد لهم في هذه الأرض قبل 3000 عام.
في
السياق التالي، سوف نتناول الممارسة الديمقراطية في الكنيست في كل الموضوعات
المتعلقة بالسرقة والنهب والاستيلاء، حتى يتضح أن هذه الدولة وهذا النظام هو نموذج
حقيقي لديمقراطية اللصوص التي توظف الوسائل الديمقراطية لتحقيق أهداف غير أخلاقية،
وغير قانونية، ومرفوضة في كل الأعراف، والنظم، والأديان، والثقافات. وذلك من خلال
حصر تشريعات وقرارات الكنيست الإسرائيلي المتعلقة بمصادرة الأراضي العربية وضمها
الى إسرائيل سواء في فلسطين أو في الدول المجاورة:
رابط الدراسة




















