أمريكا ديدنها .. التخلى عن حلفائها
عوض ضيف الله الملاحمة
إحتمى كثيرون ،
وإلتجأوا مخطئين الى أمريكا لحمايتهم من أخطارٍ كثيرة تحيق بهم . اعتبروها سنداً ،
وأماناً ، وهي لم تكن يوماً كذلك.
يُفترض في الدول
المستقلة ان تختار تحالفاتها بعناية شديدة ، وفق ما تمليه عليها مصالحها الوطنية .
بداية ، علينا ان نفهم
ما يحرك المصالح الأمريكية في علاقاتها مع الدول . لو عرفنا ان السياسة الخارجية
الأمريكية تخضع لمبدأ (( المصالح الدائمة ، وليس الصداقات الدائمة )) . لوفرنا على
أنفسنا الكثير ، وابتعدنا عن أمريكا ، ( مسراح بِلّْ عن غنم ) . ولما أخضعنا
علاقتنا معها للتجريب الذي قادنا للتخريب المتعمد لأوطاننا .
سياسة المصالح الدائمة
وليس الصداقات الدائمة ، التي تنتهجها أمريكا ، يجعل دعم حلفائها او التخلي عنهم
مرهوناً بمدى تقاطع تلك العلاقات مع أمنها القومي ، ومصالحها الإستراتيجية ،
والإقتصادية ، في لحظة زمنية معينة.
يرى العديد من المحللين
السياسيين ، والمؤرخين أن أمريكا تخلت ( بالفعل ) عن عدة حلفاء تاريخيين ، عندما
أصبحت كلفة الإستمرار في دعمهم أعلى من العوائد السياسية او العسكرية .
إذاً هي استراتيجيات
وسياسات تحركها المصالح وليس المباديء . وهل من المنطق الركون الى تحالف مع دولة
تنتهج نهجاً كهذا ؟
وحتى لا يكون الكلام
مُرسلاً وعلى عواهنه ، سوف أذكر بعض الأمثلة التاريخية الحديثة على تخلي أمريكا عن
حلفائها:—
١ )) تخلت أمريكا عن حليفها الإستراتيجي / شاه إيران
، عام ١٩٧٩ ، عندما إندلعت الثورة الإسلامية ، وعندما تصاعدت الإحتجاجات ، رفعت
أمريكا يدها عن الشاه ، وطالبته بالتخلي عن العرش ، ومغادرة البلاد . بل والأكثر
من ذلك انها أغلقت أبوابها في وجهه
.
٢ )) تخلت أمريكا عن حليفها الرئيس الفلبيني /
فرديناند ماركوس ، عام ١٩٨٦ . بالرغم من ان ماركوس جعل بلاده قاعدة عسكرية متقدمة
الى أمريكا في جنوب شرق آسيا . لكن عند إندلاع الثورة الشعبية ضده ، تماشت أمريكا
مع المتغيرات ، وضغطت عليه لمغادرة البلاد وإنهاء حُكمه .
٣ )) تخليها عن جنوب فيتنام ، عام ١٩٧٥ ، حيث تخلت
عنها بعد سنوات من القتال المشترك والدعم العسكري الهائل ضد فيتنام الشمالية
الشيوعية . ووقعت أمريكا اتفاقية باريس للسلام ، وسحبت قواتها ، وأدى ذلك في
النهاية الى سقوط العاصمة سايغون ، وانهيار حليفتها فيتنام الجنوبية بالكامل ، دون
اي تدخل أمريكي لإنقاذها.
٤ )) تخلت أمريكا عن الأكراد في شمال سوريا ( قوات
سوريا الديمقراطية ٢٠١٩ . بعد ان شكل الأكراد الشريك المحلي الأساسي لأمريكا ، ((
في الحرب على تنظيم داعش التي خلقتها أمريكا )) . حيث أعلن الرئيس الأميركي حينها
سحب القوات الأمريكية (( فجأة )) من مناطق شمال سوريا ، وترك هذا الإنسحاب
المفاجيء الحلفاء الأكراد في مواجهة مباشرة أمام العمليات العسكرية التركية .
٥ )) تخلت أمريكا عن الحكومة الأفغانية عام ٢٠٢١ .
بعد عقدين من الدعم وبناء الجيش الأفغاني . حيث أبرمت أمريكا إتفاقاً للإنسحاب مع
( حركة طالبان ) ، ( دون إشراك الحكومة الأفغانية ) . وأدى الإنسحاب السريع الى
انهيار الحكومة الأفغانية حليفة أمريكا ، وسقوط كابول بيد طالبان .
٦ )) تخلت أمريكا عن الرئيس المصري / حسني مبارك ،
عام ٢٠١١ . على الرغم من كونه حليفاً إستراتيجياً موثوقاً ، إلا انه مع تصاعد
إحتجاجات شهر يناير ٢٠١١ ، سارعت الإدارة الأمريكية الى رفع الغطاء السياسي عنه ،
وطالبته ( بالتنحي الفوري )
.
السياسات الأمريكية لا
تتم بشكل فردي ( ممثلة بشخص الرئيس ) ولا بشكل عشوائي أبداً . حيث تتشكل السياسات
الأمريكية من خلال مجموعة من العناصر المتداخلة ، التي تنقسم بين : مؤسسات دستورية
رسمية ، وقوى ضغط وتأثير مجتمعية ، ومنطلقات فكرية إقتصادية . ويمكن تلخيص أبرز هذه
العناصر على النحو التالي:—
١ )) المؤسسات الحكومية الرسمية ( صُنّاع القرار ) .
حيث تتوزع إدارة السياسات داخل النظام الفيدرالي عبر آلية الضوابط والتوازنات ،
بين ثلاث سلطات رئيسية : —
أ — مؤسسة الرئاسة (
السلطة التنفيذية ) . حيث يحدد الرئيس مسار السياسة العامة ( خاصة الخارجية ) ،
ويقود القوات المسلحة ، ويعين الوزراء والسفراء .
ب — الكونغرس ( السلطة
التشريعية ) ، حيث يمتلك الكونغرس بمجلسيه ( النواب والشيوخ ) ، سلطة إعلان الحرب
، وإعتماد الميزانيات المدنية والعسكرية ، وتصديق المعاهدات الدولية .
ج — المؤسسات البيروقراطية
والأمنية ، وتشمل وزارة الخارجية ووزراة الدفاع ، وأجهزة الإستخبارات ( CIA ) ، التي تتولى تنفيذ
السياسات وتقديم التوجيهات الإستراتيجية .
٢ )) القوى الديناميكية وجماعات المصالح : حيث تتأثر
الحكومات الأمريكية بشدة ببيئة المجتمع الأمريكي . مثل : جماعات الضغط ( اللوبيات
) ، ومراكز الفكر والأبحاث (
Think Tanks ) ،
والرأي العام ووسائل الإعلام.
٣ )) المحركات الإقتصادية والإستثمارية : وتعمل على
حماية الإقتصاد الأمريكي ، وتأمين مسارات التجارة الخارجية ، ومصادر الطاقة كركيزة
أساسية لأية سياسة . والشركات العظمى والإبتكار ، مثل التكنولوجيا والذكاء
الإصطناعي ، والإنفاق الإستهلاكي ، والشركات الدفاعية في تحديد الأولويات
التمويلية والسياسية للحكومة.
٤ )) تتحرك السياسة الأمريكية ( ولا سيما الخارجية )
، بناءً على خلفية ثقافية تجمع بين ثلاثة عناصر : الأمن ، والأيديولوجيا ، والدين
. وتتمثل في نشر مباديء (( الديمقراطية التمثيلية )) ، والسوق الحر ، والقيم
الليبرالية ، (( والتي تستخدم غالباً كغطاء قيمي لتمرير المصالح البراغماتية )) .
وهناك أسباباً تدفع
أمريكا للتخلي عن حلفائها ، وأهمها : تغير المصالح الإستراتيجية والأولويات ،
عندما تنتهي الحاجة الوظيفية للحليف او تختلف الأهداف الكبرى . المحرك هو مبدأ
أمريكا أولاً ، إضافة الى سياسات تقليص الإلتزامات الخارجية . مثلما تكرر في إدارة
/ ترامب ، التي تدفع بإتجاه التملص من حماية الحلفاء ، وهذا ما نشهده الآن .
سُقت هذه الأمثلة حتى
أُبرهن للمتابع بان أمريكا لا أمان لها ، ولا تحالف يجدي معها . واليكم ما حصل
مؤخراً ، حيث باع ترامب أوروبا واوكرانيا وفاجأ العالم بإتفاق مع بوتن ، يسمح الى
روسيا بتصدير ( ٣٦ ) مليون برميل ديزل في الأسواق الأميركية والعالمية في محاولة
لتخفيف أزمة الوقود في أمريكا . رغم تعارض هذا الإتفاق مع العقوبات المفروضة على
روسيا.
والأهم من كل ما ذكر
أعلاه ، خذلت أمريكا وتخلت عن كل حلفائها من دول الخليج العربي والأردن في حربها
على إيران ، ولم تهتم ولم تعبأ بقصف إيران لتلك الأقطار العربية بآلاف الصواريخ
والمسيرات ، حيث إنتفت الغاية من وجود القواعد الإمريكية ، وبدل ان تكون مصدر أمان
لتلك الدول ، أصبحت مصدر خطر داهم.
والتخلي الأوضح والأخطر
تمثل في تخلي أمريكا عن حليفتها السعودية . حيث إعتذر ترامب لولي العهد السعودي ،
عندما إتصل به طالباً الدعم ضد هجمات جماعة الحوثي . وكان رد ترامب : بأن
السعوديين شجعان ، ويمكنهم الدفاع عن بلادهم . والأسوأ ان ترامب عقد صفقة مع جماعة
الحوثي بعدم التعرض للسفن الأمريكية وسفن الكيان الصهيوني ، مقابل غض الطرف عن
سيطرتهم على باب المندب الذي يخنق السعودية ويشل صادراتها ووارداتها .
أمريكا ديدنها التخلي
عن حلفائها . أمريكا ناهباً لخيرات الأوطان لا أكثر . أمريكا أنانية مخادعة إلا مع
الكيان الصهيوني الذي يخترقها ويحكمها .

















