الانتخابات الاسرائيلية (٧) غادي إيزنكوت وهندسة الوهم العسكري
د حيدر البستنجي
لم يكن غادي
إيزنكوت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب "يشار!"،
والمنافس الرئيسي على مقعد رئاسة الوزراء في الكيان الصهيوني يلقي مجرد وعود
انتخابية عابرة وهو يقف على حدود قطاع غزة، بل كان يطلق رصاصة الرحمة على السردية
الأمنية التي احتكرها بنيامين نتنياهو لقرابة عقدين من الزمن. بتعهده القاطع بـ
القضاء على حكم حركة حماس وجناحها العسكري في غزة خلال 18 شهراً من تسلمه رئاسة
الوزراء، نقل آيزنكوت المعركة السياسية إلى المربع الأكثر حساسية للجمهور
الإسرائيلي: "صك الكفاءة الأمنية" والقدرة على الحسم العسكري الذي بات
مفقوداً في ظل الاستنزاف الحالي. المقاربة البديلة التي يطرحها آيزنكوت تدرك
عمق الإحباط في الشارع الإسرائيلي من شعارات "النصر المطلق" و الضبابية
التي يرفعها نتنياهو دون جدول زمني واضح وتلعب على وتر حساس بات حديث الشارع
الاسرائيلي حول التعايش الوظيفي بين حماس ونتنياهو خلال فترة ماقبل السابع من
اكتوبر والذي اصبح الجمهور الاسرائيلي يدركه ولم يعد يتقبله ، لكن البُعد الأكثر
إثارة للجدل والتحليل في طروحات إيزنكوت يكمن في موقفه من المستقبل السياسي
للفلسطينيين. فالرجل، الذي يقود تيار الوسط وينافس نتنياهو بقوة، لا يقدم بأي حال
من الأحوال رؤية حمائمية أو يسارية. بل على العكس؛ لقد حسم موقفه صراحة معتبراً أن
"أي شخص يفكر في حل الدولتين بعد هجمات 7 أكتوبر يعد ببساطة واهماً، وأن
إقامة دولة فلسطينية مستقلة هو خطأ فادح".
هنا تتجلى البراغماتية
العسكرية المقيدة لآيزنكوت، فهو يرفض الدولة الفلسطينية، وبالمقابل يرفض تماماً
فكرة "الضم الكامل" للضفة الغربية وغزة التي ينادي بها اليمين المتطرف،
واصفاً دمج ملايين الفلسطينيين داخل إسرائيل بأنه "كارثة ديموغرافية ستنهي
الهوية اليهودية للدولة". هو لا يريد دولة فلسطينية، ولا يريد دولة ثنائية
القومية، بل يطرح نموذجاً قائماً على "الإدارة الأمنية الصارمة مع منح
صلاحيات مدنية مقيدة للفلسطينيين" عبر تمكين قوة شرطية محلية لإدارة الشؤون
الحياتية، مع الاحتفاظ بـ "السيطرة الأمنية الإسرائيلية المطلقة بين النهر
والبحر"؛ فلا مكان لأي قوة عسكرية غير إسرائيلية. يمتد هذا التفكير العسكري
المنضبط إلى ملف الاستيطان في الضفة الغربية. آيزنكوت لا يعارض الاستيطان مبدئياً،
وشقيقته تسكن إحدى تلك المستوطنات، لكنه يقف بشراسة ضد ما يصفه بـ "عشوائية
وشعبوية" الثنائي سموتريتش وبن غفير. هو يعارض بشدة التوسع في منطقة "E1" شرق القدس الشرقية، ليس تعاطفاً مع التواصل
الجغرافي الفلسطيني، بل لأن هذه المشاريع في هذا التوقيت تفقد إسرائيل شرعيتها
الدولية وتكلفها أثماناً دبلوماسية باهظة بلا جدوى استراتيجية فورية. هو يريد
استيطاناً يحمي المصالح الأمنية، لا استيطاناً تقوده ميليشيات وعنف أيديولوجي يفقد
الجيش سيادته في المنطقة.
طبعاً هذا التموضع يضع
آيزنكوت أمام تحديات مفصلية:
* سلاح الجدول الزمني للحسم : 18 شهراً لإنهاء
حماس في غزة و لا يمكن فهم خطة الـ 18 شهراً التي يقترحها إيزنكوت دون
العودة إلى إرثه الاستراتيجي الأبرز: "عقيدة الضاحية" (Dahiya Doctrine) التي صاغها عام 2008. تقوم هذه العقيدة على
تطبيق قوة مفرطة وغير متناسبة ضد البيئة الحاضنة للخصم، معتبرة القرى والمدن
"قواعد عسكرية" بهدف إيقاع دمار هائل يضغط على المقاتلين للتوقف، وخلق
ردع طويل الأمد. هذا الاستعداد لإستخدام قوة نيران هائلة في غزة تحت ذريعة تنفيذ
خطة ترامب قد يتعثر بسبب الخسائر البشرية الكبيرة في صفوف الفلسطينيين مما يؤدي
انعكاس الأزمة على صورة اسرائيل والائتلاف الحاكم .
* أزمة الائتلاف المستقبلي: بينما يحاول الليكود
تشويه صورته وإقناع اليمين بأنه "سيشكل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية
لإقامة دولة فلسطينية"، يخرج آيزنكوت ليعلن بوضوح أنه لن يمنح الفلسطينيين
دولة ولن يضع يده في يد الأحزاب العربية. هذا الموقف يُرضي اليمين والوسط
الصهيوني، ولكنه يضيق هوامشه البرلمانية لتشكيل ائتلاف مستقر في اليوم التالي
للانتخابات.
في المحصلة، لا يعد
آيزنكوت الناخب الإسرائيلي بتغيير جذري في طبيعة الصراع، بل يعده بأن يكون
"مديراً تنفيذياً كفؤاً للاحتلال وإدارة الصراع"؛ بديل يجمع بين القبضة
العسكرية الصارمة للجنرالات والغطاء السياسي الدولي والدبلوماسي، تاركاً إسرائيل
أمام خيارين: إما استمرار الاستنزاف والضبابية مع نتنياهو، أو إدارة الصراع بعقلية
حسابية منظمة يقودها جنرال يرفض السلام والدولة الفلسطينية، ولكنه يحسب حساباً دقيقاً
لردود فعل العالم. وربما يحاول استغلال اصوله الشرقية لتحسين الأجواء مع العالم
العربي تمهيدا لتحسين صورة اسرائيل في العالم ، فلسطينيا قد يعني فوز إيزنكوت
انتهاء ظاهرة فتيان التلال والاستيطان العشوائي وربما تحسن الظروف المعيشية
للضفة ومكافحة الجريمة في الداخل والاهم سقوط ظاهرة بن غفير و سموترتش
الكريهة ولكن دون أفق سياسي حقيقي وفي النهاية على رأي المثل العربي القديم العور
اخف من العمى ولا غالب إلا الله.






















