أيام صعبة قد تكون بانتظار أذربيجان
بين التضييق على
الحريات الدينية والتحالفات الإقليمية المثيرة للقلق
المهندس نبيل
إبراهيم حداد
أتابع التطورات الأخيرة
في أذربيجان بقلق متزايد، وأخشى أن تكون البلاد مقبلة على أيام صعبة، ليس بالضرورة
نتيجة تهديد خارجي مباشر، وإنما بسبب سياسات داخلية وخارجية قد تضع الحكومة في
مواجهة مع قطاعات من شعبها، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز وحدتها الوطنية
وتجنب الانخراط في صراعات المنطقة.
لقد حقق الرئيس إلهام
علييف إنجازات عسكرية وسياسية مهمة، أبرزها السيطرة على إقليم ناغورنو كاراباخ، وتعزيز
موقع أذربيجان الإقليمي. لكن النجاح العسكري لا يمنح أي قيادة حصانة من الأخطاء
السياسية، ولا يغني عن احترام الحريات الدستورية ومراعاة معتقدات المواطنين
ومشاعرهم.
وما يثير قلقي اليوم هو
احتمال أن تتحول قرارات كان بالإمكان تجنبها إلى مصادر توتر داخلي، تتفاعل مع
علاقات خارجية معقدة، لتضع البلاد أمام تحديات لا تحتاج إليها.
الحجاب: مواجهة لا مبرر
لها
إن ما تردد عن منع
طالبات ومعلمات من دخول المدارس بسبب ارتدائهن الحجاب الإسلامي، وما أعقب ذلك من
احتجاجات واعتقالات، يثير تساؤلات جدية حول توجه الحكومة الأذربيجانية في التعامل
مع الحريات الدينية.
فأذربيجان دولة ذات
أغلبية مسلمة، والإسلام جزء أصيل من تاريخها وهويتها الثقافية، رغم اعتمادها
نظاماً سياسياً علمانياً.
ولا أرى أي تعارض بين
علمانية الدولة واحترام حق المرأة في ارتداء الحجاب. فالعلمانية تعني، في جوهرها،
حياد الدولة تجاه المعتقدات الدينية، وليس فرض التخلي عنها على المواطنين.
فكما لا يجوز إجبار
المرأة على ارتداء الحجاب، لا يجوز إجبارها على خلعه.
أما حرمان فتاة من
التعليم بسبب التزامها الديني، فهو أمر يتجاوز تنظيم الزي المدرسي إلى المساس
بحقين أساسيين: حرية المعتقد والحق في التعليم.
ولا أفهم ما الذي يمكن
أن تكسبه الحكومة من الدخول في مواجهة مع العائلات والطلاب بسبب مسألة لا تشكل،
بحد ذاتها، تهديداً لأمن الدولة أو نظامها السياسي.
والأخطر أن مثل هذه
القرارات قد تدفع مواطنين لم يكونوا معارضين للحكومة إلى الشعور بأن السلطة تتدخل
في معتقداتهم وحياتهم الشخصية.
وهكذا، قد تتحول قضية
محدودة إلى خلاف سياسي أوسع، ليس لأن المواطنين يسعون بالضرورة إلى مواجهة
الحكومة، بل لأن الحكومة نفسها وسّعت دائرة الخلاف.
العلاقة مع إسرائيل:
إشكالية لا يمكن تجاهلها
تأتي هذه التطورات في
وقت تواصل فيه أذربيجان توثيق علاقاتها السياسية والعسكرية والأمنية مع إسرائيل،
وهي علاقات تثير تساؤلات سياسية وأخلاقية، خصوصاً في ظل ما يتعرض له الشعب
الفلسطيني من قتل وتهجير ودمار، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
ولا أعتقد أن هذه
العلاقات يمكن النظر إليها بمعزل عن مشاعر المواطنين الأذربيجانيين، أو افتراض
أنهم جميعاً يؤيدون الخيارات التي تتخذها حكومتهم.
ولعل المفارقة الأكثر
إثارة للتساؤل هي أن حكومة دولة ذات أغلبية مسلمة تفرض قيوداً على ارتداء الحجاب،
بينما تواصل تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، رغم سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني.
وقد يرى بعض المواطنين
في هذا التناقض دليلاً على اتساع المسافة بين توجهات السلطة ومعتقدات قطاعات من
المجتمع.
وهنا لا تتعلق القضية
بمجرد حرية الدولة في إقامة علاقاتها الخارجية، وإنما بمدى انسجام هذه السياسات مع
المصالح الوطنية ومشاعر المواطنين، وبالحدود التي ينبغي أن تقف عندها الحسابات
الاستراتيجية عندما تصبح على حساب الثقة بين الشعب وحكومته.
تركيا وإيران: حسابات
أكثر تعقيداً
أما المسألة الثالثة
فتتعلق بموقع أذربيجان بين تركيا وإيران، وهو موقع يفرض على قيادتها قدراً كبيراً
من الحذر.
فتركيا هي الحليف
الاستراتيجي الأقرب إلى أذربيجان، وتربط البلدين علاقات تاريخية ولغوية وعسكرية
وثيقة. غير أن إيران ليست دولة بعيدة عن المعادلة الأذربيجانية، بل جار مباشر
تربطه بأذربيجان حدود ومصالح مشتركة وعلاقات تاريخية ودينية واجتماعية عميقة.
كما أن وجود أعداد
كبيرة من السكان ذوي الأصول الأذربيجانية في إيران يجعل العلاقة بين البلدين أكثر
حساسية.
وقد شهدت العلاقات
الأذربيجانية الإيرانية توترات متكررة، ساهمت فيها الخلافات الأمنية والإقليمية،
إلى جانب القلق الإيراني من التعاون العسكري والأمني بين أذربيجان وإسرائيل.
وفي تقديري، سيكون من
الخطأ أن تنجرف أذربيجان إلى مواجهة مع إيران نتيجة حسابات إقليمية أو تحالفات قد
لا تتطابق دائماً مع مصالحها الوطنية.
فالتحالف مع تركيا لا
ينبغي أن يتحول إلى عداء مع إيران، كما أن العلاقات مع إسرائيل لا ينبغي أن تجعل
أذربيجان ساحة محتملة لصراع إقليمي.
ومن الإنصاف الإشارة
إلى أن التواصل الدبلوماسي بين باكو وطهران لا يزال قائماً، وأن وجود خلافات
استراتيجية لا يعني بالضرورة أن المواجهة أصبحت حتمية.
لكن الدبلوماسية
الناجحة لا تقتصر على إدارة الخلاف بعد وقوعه، بل تقوم أساساً على تجنب القرارات
التي تزيد احتمالات التصعيد.
وأعتقد أن أذربيجان
تحتاج إلى سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة، تحافظ على علاقاتها مع جيرانها، وتمنع
تحويل أراضيها أو قدراتها إلى أدوات في صراعات الآخرين.
عندما تصنع الحكومة
أزماتها بنفسها
إن ما يقلقني أكثر من
أي قضية منفردة هو احتمال تفاعل هذه الملفات مع بعضها.
فالتضييق على الحجاب قد
يولّد استياءً دينياً واجتماعياً، والعلاقات الوثيقة مع إسرائيل قد تزيد حساسية
قطاعات من الرأي العام، فيما قد تؤدي التوترات مع إيران إلى تعقيد الوضع الأمني
والسياسي.
وقد تجد الحكومة نفسها
أمام اعتراضات داخلية متزايدة، في وقت تواجه فيه حسابات إقليمية بالغة التعقيد.
وهنا تكمن الحجة
الأساسية التي أود التأكيد عليها:
ليس من الحكمة أن تخلق
الحكومة خلافات مع شعبها، بينما تحتاج إلى وحدته لمواجهة التحديات الخارجية.
إن قوة الدولة لا تُقاس
فقط بقدرتها العسكرية، ولا بعدد حلفائها، وإنما أيضاً بثقة المواطنين في مؤسساتها
وشعورهم بأن حقوقهم ومعتقداتهم محترمة.
وقد أثبتت تجارب سياسية
عديدة أن الاستقرار الذي يعتمد على قوة الأجهزة الأمنية وحدها يبقى عرضة للاهتزاز
عندما تتراكم أسباب الاستياء.
ولا ينبغي للحكومة أن
تخلط بين المعارضة السلمية والتدخل الخارجي، أو أن تعتبر كل احتجاج على قرار حكومي
تحدياً لسلطة الدولة.
فقد يعارض المواطن
سياسة معينة لأنه يرى أنها تتعارض مع الدستور أو تضر بمصلحة بلاده. وهذا لا ينتقص
من وطنيته، بل قد يكون تعبيراً عنها.
كذلك فإن معالجة
الاعتراضات بالحوار والمراجعة السياسية تختلف جذرياً عن التعامل معها باعتبارها
مجرد مشكلات أمنية.
وأخشى أن يؤدي الإصرار
على بعض السياسات إلى تحويل خلافات محدودة إلى أزمة ثقة بين المواطنين والحكومة،
وهي أزمة قد تكون معالجتها أصعب بكثير من مراجعة القرارات التي أدت إليها.
هل يدرك الرئيس علييف
حجم المخاطر؟
لقد خرجت أذربيجان من
سنوات طويلة من الصراع مع أرمينيا، وأصبحت أمام فرصة مهمة لترسيخ الاستقرار وتوجيه
مواردها نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن المفترض أن تكون
هذه المرحلة مناسبة للمصالحة الداخلية وتعزيز الحريات وبناء مؤسسات أكثر قدرة على
استيعاب الاختلاف، لا لفتح جبهات جديدة مع المواطنين.
ولا أعتقد أن الحفاظ
على علمانية الدولة يحتاج إلى منع الحجاب، كما لا أرى أن حماية المصالح الوطنية
تستوجب تبني سياسات خارجية قد تضع أذربيجان في مواجهة مع جيرانها أو تخلق خلافاً
بين الحكومة وقطاعات من المجتمع.
إن الرئيس علييف، الذي
أظهر قدرة على إدارة صراعات عسكرية وسياسية معقدة، يواجه اليوم اختباراً من نوع
مختلف: القدرة على إدراك حدود السلطة، واحترام الحريات، وتجنب تحويل القرارات
الحكومية إلى أسباب للانقسام الوطني.
فالحكمة السياسية لا
تتجلى فقط في الانتصار على الخصوم الخارجيين، وإنما أيضاً في عدم صناعة خصوم من
أبناء الوطن.
أيام صعبة قد تكون
قادمة
إنني لا أتمنى
لأذربيجان سوى الاستقرار والازدهار، ولا أعتقد أن مصلحة شعبها تكمن في أي اضطرابات
داخلية أو مواجهات إقليمية جديدة.
لكنني أخشى أن تقود
السياسات الحالية، إذا استمر الإصرار عليها، إلى نتائج قد لا تكون الحكومة قد حسبت
حسابها.
فحين تتزامن القيود على
الحريات الدينية مع خيارات خارجية مثيرة للجدل وعلاقات إقليمية متوترة، يصبح خطر
تراكم الأزمات أمراً يستحق الانتباه.
وليس ضرورياً أن تتحول
هذه الخلافات إلى أزمة شاملة، لكن تجنب ذلك يتطلب مراجعة سياسية جادة قبل أن تتسع
دائرة الاستياء.
إنني أخشى أن تكون أيام
صعبة بانتظار أذربيجان، ليس لأن الدولة تفتقر إلى القوة، بل لأن القوة وحدها لا
تكفي لضمان الاستقرار.
فالدولة التي تنتصر في
معاركها الخارجية ينبغي ألا تخسر ثقة مواطنيها في الداخل.
وأذربيجان اليوم بحاجة
إلى ترسيخ وحدتها الوطنية أكثر من حاجتها إلى فرض قيود على المعتقدات الشخصية،
وبحاجة إلى علاقات متوازنة مع جيرانها أكثر من حاجتها إلى الانخراط في استقطابات
إقليمية خطيرة.
وإذا كان ثمة درس ينبغي
أن تستفيد منه الحكومات، فهو أن كثيراً من الأزمات الكبرى تبدأ بقرارات صغيرة لم
تُقدَّر عواقبها جيداً.
والقيادة الحكيمة ليست
تلك التي تستطيع فرض كل ما تريده، وإنما تلك التي تعرف متى ينبغي أن تتراجع عن
قرار لا يخدم المصلحة الوطنية.
وآمل ألا تكتشف أذربيجان هذه الحقيقة بعد فوات
الأوان.






















