من احتجاجات التعليم إلى كرة النار الاجتماعية: هل يشهد العالم «ربيعاً أوروبياً»؟
وائل منسي
لا تنفجر المجتمعات فجأة؛
بل تتراكم أزماتها حتى تتحول شرارة مطلبية إلى حريق اجتماعي يصعب احتواؤه
ففي فرنسا، بدأت موجة الاحتجاجات الطلابية
بمطالب تحسين التعليم، ومواجهة نقص المعلمين واكتظاظ الصفوف وتردي المرافق، قبل أن
تتسع إلى قضايا أعمق تتصل بالعدالة الاجتماعية وكلفة المعيشة ومستقبل الشباب
والثقة بالمؤسسات.
وامتد صدى التحركات إلى بلجيكا و إيطاليا و ألبانيا،
في مؤشر إلى قابلية المظالم المحلية للتفاعل مع أزمات أوسع، وإن اختلفت أسباب
الاحتجاجات من بلد إلى آخر.
هكذا تتشكل «كرة النار
الاجتماعية»: يبدأ الاحتجاج بمطلب محدد، ثم يلتقي مع مظالم متراكمة، فتتسع قاعدته
ويتغير سقف مطالبه.
وعندما تتزامن أزمة التعليم مع البطالة والتهميش
وغلاء المعيشة وتراجع الثقة السياسية، لا يعود الاحتجاج متعلقاً بملف واحد، بل
يصبح تعبيراً عن شعور جماعي بأن المؤسسات لا تستجيب لتطلعات المجتمع.
إنها ديناميكية العدوى
الاحتجاجية، وتراكم المظالم، والاحتقان الكامن، ونقطة التحول الحرجة؛ حيث قد يؤدي
تجاهل الشرارة الأولى إلى تضخيم الأزمة بدلاً من احتوائها.
وتتجاوز المسألة حدود
الشارع إلى الاقتصاد والسياسة؛ فارتفاع المديونية وضيق الحيز المالي قد يدفعان
الحكومات إلى التقشف، لكن تحميل الفئات الأقل قدرة كلفة الاختلالات يفاقم الشعور
بالظلم. وفي المقابل، فإن تأجيل الإصلاح المالي والمؤسسي يراكم المخاطر.
وبين الخيارين، تبرز الحاجة إلى عقد اجتماعي
أكثر عدالة، وسياسات عامة تستثمر في التعليم والعمل والحماية الاجتماعية، وتمنح
الشباب دوراً حقيقياً في صنع القرار.
فالمؤشرات المتاحة تؤكد اتساع احتجاجات طلابية
في عدد من الدول الأوروبية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود موجة متجانسة تشمل
البلدان الأوروبية أو تتطابق أسبابها ومساراتها.
الدرس الأهم أن
الانفجار الاجتماعي لا يبدأ لحظة اشتعال الشوارع، بل حين تتراكم المشكلات ويُغلق
المجال أمام معالجتها.
فالمجتمع قد يمنح المؤسسات وقتاً للإصلاح، لكنه
لا يمنحها وقتاً غير محدود لتجاهل مطالبه.
وما يمكن احتواؤه
بالحوار والاستجابة المبكرة قد يتحول، بفعل التسويف وانعدام الثقة، إلى أزمة
سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة؛ كرة ثلج تكبر مع كل مشكلة مؤجلة، حتى تصبح
كرة نار يصعب إيقافها.





















