أوروبا على إيقاع الاستعداد للحرب: تصعيد عسكري في الخارج وأزمات اجتماعية تتفاقم في الداخل
وائل منسي
تتسارع في أوروبا إجراءات
إعادة التسلح ورفع الجاهزية العسكرية والمدنية، في مشهد يتجاوز تحديث الجيوش إلى
إعادة تهيئة المجتمعات لاحتمالات الأزمات والحروب الممتدة. ففي فرنسا تتعزز خطط
حماية البنية التحتية الحيوية والصناعات الدفاعية، وفي بريطانيا تتجه الاستعدادات
إلى إحياء خطط الطوارئ وتوسيع نطاق الاستدعاء العسكري، بينما تعيد ألمانيا تأهيل
مرافق تحت الأرض لأغراض الحماية، وتخصص موارد ضخمة لتطوير قدراتها العسكرية. وترفع
فنلندا سقف قوات الاحتياط، فيما تعزز دول البلطيق و بولندا تحصيناتها الحدودية،
وتوسع الدنمارك التجنيد الإجباري ليشمل النساء، وتدعو السويد مواطنيها إلى الاستعداد
للأزمات والحرب. وحتى سويسرا، المعروفة بحيادها، تتجه إلى تعزيز منظومتها الأمنية
والدفاع المدني.
هذه التحركات، وإن كانت
الحكومات الأوروبية تبرر جانبًا أساسيًا منها بالتهديد الروسي والحاجة إلى الردع،
تعكس تحولًا استراتيجيًا في العقيدة الأمنية الأوروبية، يقوم على رفع الجاهزية،
وتعزيز الاحتياط، وحماية سلاسل الإمداد والمنشآت الحيوية، وتهيئة #السكان لاحتمالات
الطوارئ.
ولا تنحصر الحسابات
الاستراتيجية في روسيا وحدها، بل تمتد، في إطار التنافس الدولي الأوسع، إلى الصين
و إيران، بما يحمله ذلك من مخاطر اتساع الاستقطاب وتعدد بؤر المواجهة.
لكن القراءة السياسية
الأعمق تقتضي النظر أيضًا إلى الداخل الأوروبي؛ فالقارة تواجه ضغوطًا اقتصادية
واجتماعية متراكمة، تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار والضرائب، وتراجع القدرة
الشرائية، والضغوط على جودة الخدمات العامة، من التعليم و الصحة إلى النقل، وفي
عدد من الدول، تحولت الاحتجاجات الطلابية والمعيشية والاجتماعية إلى موجات متصاعدة
من الغضب، تتسع مطالبها وتتداخل أسبابها، ككرة نار تنتقل من قطاع إلى آخر، في مؤشر
إلى اتساع فجوة الثقة بين قطاعات من المواطنين ومؤسسات الحكم.
وفي هذا السياق، يبرز
سؤال سياسي مشروع: إلى أي مدى تتداخل متطلبات الأمن القومي مع حاجة بعض الحكومات
إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، وتوجيه الرأي العام نحو التهديدات الخارجية؟
لا يعني ذلك أن التهديدات الأمنية مختلقة، أو أن الاستعداد العسكري مجرد وسيلة
لصرف الأنظار عن الأزمات؛ لكنه يعني أن التوترات الدولية والأزمات الداخلية قد
تتفاعل، وأن كلفة التسلح وإعادة توزيع الإنفاق العام تستدعي نقاشًا ديمقراطيًا حول
التوازن بين الدفاع والأمن الاقتصادي والاجتماعي.
وقد اكتسبت الاستعدادات
المدنية أهمية إضافية مع دعوات أوروبية إلى الاحتفاظ بمستلزمات أساسية للطوارئ
تكفي لمدة 72 ساعة، تشمل المياه والغذاء والأدوية ووسائل الاتصال الضرورية.
وتندرج هذه التوصيات
ضمن نهج تعزيز قدرة السكان على الصمود في مواجهة انقطاع الخدمات أو الكوارث أو
الأزمات الأمنية، ولا تعني بحد ذاتها أن حربًا وشيكة قد تقررت.
في المقابل، تؤكد موسكو
أن روسيا لا تعتزم مهاجمة الدول الأوروبية، وتحذر من أن التوسع العسكري وتسريع
الاستعدادات القتالية قد يخلقان معضلة أمنية متصاعدة: كل طرف يقدّم خطواته
باعتبارها دفاعية، بينما يقرأها الطرف الآخر بوصفها تهديدًا يستوجب الرد. وقد شدد
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، في مواقف روسية
متكررة، على رفض ما تصفه موسكو بمحاولات تطويق روسيا، محذرين من تداعيات المواجهة
المباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، ولا سيما في ظل امتلاك الطرفين قدرات نووية.
وهكذا، تقف أوروبا أمام
معادلة شديدة الحساسية: إعادة تسلح في الخارج، وقلق معيشي واحتجاجات في الداخل،
وتنافس دولي يتسع بين القوى الكبرى.
والخطر لا يكمن في
الاستعداد للدفاع وحده، بل في أن يتحول منطق الردع إلى سباق تسلح مفتوح، وأن
تُحمّل المجتمعات كلفته الاقتصادية والاجتماعية، فيما تتراجع فرص التسوية السياسية.
فالأمن الحقيقي لا يُقاس بحجم الجيوش والتحصينات
فحسب، بل أيضًا بقدرة الدول على حماية الاستقرار الاجتماعي، وصون الخدمات العامة،
ومعالجة أسباب الاحتقان، ومنع الانزلاق إلى مواجهة لا يملك أحد ضمان حدودها أو
نتائجها.



















