الدُرّ المنثور .. لا علاقة لها بالمنشور
عوض ضيف الله الملاحمة
أعرف جيداً انني أخوض
غمار مغامرة لا يقدر على خوضها الا قلة قليلة . وأعرف جيداً ان الغالبية العظمى
سيلتزمون الصمت او بتعبير أدق سوف ينخرسون خوفاً .
كما أعرف نفسي جيداً ،
وواثق من أنني لست متهوراً ، ولا إنفعالياً ، ولا أُحب الخوض في مهاترات لا طائل
منها . وان إسلوبي في الكتابة ضمن موروثنا الشعبي الرائع الذي يقول (( قيس قبل ما
تغيص )) . واعرف جيداً انني من أصلي الجيني ، الى مكتسباتي الحياتية دراسية او خبراتية
صبغت شخصيتي بالجرأة البعيدة عن التهور ، لكنني لم أتردد يوماً بسبب جُبن او
حسابات موقف.
بداية أود ان أؤكد
للقراء الكرام بأنني مسلم الديانة ، سليل عائلة تساند الحق والعدل . عائلة بعيدة
عن الحرام بكافة أشكاله وانواعه . وإنني وأسرتي الصغيرة نلتزم بديننا الإسلامي
الحنيف التزاماً تاماً ، حيث نصلي ، ونصلي الفجر حاضراً ، ونصوم ، ونؤدي كافة
واجباتنا الدينية ، التزاماً حقيقياً ، لكن بعيداً عن التزمت ، والتعصب ، والتشدد
بكافة أشكالة . الذي غالبية أشكاله أضرّت في الإسلام العظيم وشوهته . وللتدليل
أُشير هنا الى ما قالته المستشارة الألمانية / أنجيلا ميركل ، حيث قالت بما معناه
: [[ ما يحدث بين المسلمين الآن ان المقتول يصرخ : الله أكبر ، والقاتل يصرخ :
الله أكبر ، ولم نعد نفهم شيئاً ]] . صدقت هذا السيدة الأسطورة .
ما سُمي بمبادرة ((
ساكب )) ، ليست مبادرة مدرسية بالمطلق . مبادرة ساكب هي نفث لِسُمٍّ في مجتمع آمن
مستقر . خُطط لها بخبث حزبي ، يود ان يعكر صفو مجتمع هاديء آمن ، مُسالمٍ ، منسجم
، راضٍ.
مبادرة ساكب تختلف
تماماً ، بل ليس لها علاقة في المبادرات المدرسية المعروفة في مجتمعنا . لأن مفهوم
المبادرة في قانون وزارة التربية ينص على مايلي : [[ هي مجموعة من الأنشطة او
البرامج او المشاريع المبتكرة التي تصمم وتنفذ داخل المؤسسات التعليمية ( او بدعم
منها ) ، لمعالجة تحدٍ تربوي او تعليمي معين ، او لتحسين جانب محدد من البيئة
المدرسية او لتعزيز الإنتماء وتطوير مهارات الطلبة ]] .
وعليه فان ما أُطلِق
عليه مبادرة ساكب ليس مبادرة بالمطلق . لانها ليست نشاطاً ولا برنامجاً ، ولا
مشروعاً مبتكراً ، ولا تعالج تحدياً تربوياً ، ولا تعليمياً ، ، ولا تحسن جانباً
محدداً من البيئة المدرسية ، ولا تعزز الإنتماء ، ولا تطور مهارات الطلبة بالمطلق .
يضاف الى ذلك اننا لو
اعتبرنا مبادرة ساكب مبادرة فعلية — رغم كل ما ذُكر اعلاه — فان تطبيق تلك
المبادرة لا يمكن ان يتم في مدرسة ساكب فقط . وعندها تلجأ كل مدرسة من المدارس
الحكومية لإعتماد زي خاص بها . وعليه يتم (( تجاوز )) قانون يضبط ويحدد مواصفات
الزي المدرسي في المدارس الحكومية . واي تغيير على مواصفات الزي الصادر بقانون
يشترط تغيير القانون.
واليكم القانون الخاص
بالزي الرسمي الموحد الخاص : [[ تعتمد وزارة التربية والتعليم في الأردن ألواناً
ومواصفات موحدة للزي المدرسي في المدارس الحكومية ، وتلتزم بها جميع المديريات
والمراحل المدرسية . وله ضوابط عامة وتعليمات ، نوجزها : طول المريول : يشترط ان
يكون المريول ((مناسباً )) و(( طويلاً )) ، وبشكل (( فضفاض )) و (( محتشم ))
. (( هل النقص في الصياغة انه لم يُذكر ان يكون كشكل الخيمة )) !؟
الحجاب : في حال إرتداء
الحجاب يعتمد اللون الأبيض فقط ، (( ويمنع منعاً باتاً ارتداء الحجاب الملون او
المزخرف ))
.
البنطلون : يشترط ان
يكون البنطلون (( طويلاً )) ، و (( فضفاضاً )) و (( بلون غامق )) ، أسود او
كحلي ، مع (( حظر تام لإرتداء البنطلونات الضيقة والفيزون )) .
بالله عليكم هل هناك في
هذا القانون ما يعيبه !؟ ألا يُلزم القانون الطالبات بلبس محتشم ومستور !؟
إذا كان هناك مخالفات
في الإلتزام بالزي المدرسي ، فهذا يعود الى (( تقصير في أداء المدراء ،
ومدراء التربية )) ، وليس الى القانون.
زي مدارسنا صادر بقانون
. ويحث ويحض على الإحتشام بشكل أكيد وواضح لا لُبس فيه . قانون الزي المدرسي
الموحد صدر في بداية السبعينات من القرن الماضي . والقانون الحالي صدر عام ١٩٨٤ .
وملايين من الطالبات الأردنيان ارتدينه بإحتشام وسِتر . ولم يحدث ان كان هذا
الزي مثيراً ، ولا باعثاً على الغريزة والشهوة ، ولا سبباً في فجورٍ لا سمح الله .
تشرفت عندما درست في
جامعة بغداد خلال السنوات ( ١٩٧١ — ١٩٧٥ ) ، وكانت كليات جامعة بغداد كأنها معرض
مفتوح للإزياء ، وكان يُظهر فوارق طبقية خطيرة لا يمكن السكوت عليها . وبما انني
كنت أدرس الأدب الإنجليزي ، وكان هذا التخصص جاذباً لبنات الطبقة فاحشة الثراء ،
أقسم لكم : ان زميلاتنا تتبعن ملابس إحدى الزميلات التي تنتمي الى عائلة فاحشة
الثراء ، وتبين لزميلاتنا انها لا تلبس القطعة مرتين بتاتاً . كما كان لنا
زميلة أصرت على دعوتنا لتناول طعام الغداء في قصر والدها ، وكانت مساحة القصر
عشرات الدونمات ، ويقع على الشاطيء ، ولديهم حديقة حيوان خاصة داخل ارض القصر .
كما كان لدينا زميلة كانت تأتي كل يوم في سيارة مختلفة طيلة أيام الأسبوع ، وتبين
ان والدها يمتلك ( ٧ ) سيارات فارهة في ذلك الزمان .
عندها طبّقت جامعة
بغداد الزي الموحد ، وكان يُقدّم للطلبة والطالبات مجاناً ، بنطالين
وجاكيتين صيفي ، وبنطالين وجاكيتين ربيعي ، من الصوف الإنجليزي الفاخر ،
وإختفت الطبقية بسبب تطبيق الزي الجامعي .
المبادرة نشاط طلابي ،
آني ، مؤقت ، وبسيط ، يمكن تطبيقة في المدرسة ، دون ان يستدعي تغيير قوانين نافذة
ومطبقة منذ نصف قرن من الزمان ، ودون إثارة لغطٍ جماهيري ، ويكون مفعول المبادرة
محدوداً ، وآنياً ، ومؤقتاً.
نعم بناتنا در منثور ،
مكنون ، مستورات ، ومحتشمات ، والزي الذي يرتدينه صدر بقانون أردني وطني ، تمت
صياغته ليناسب مجتمعاً شرقياً ، متنوعاً ، يُحترم فيه الإختلاف والتنوع ، لكنه
يرتقي عن الخلاف والتحجر والإنغلاق الذي دمر أوطاناً كانت عزيزة . فالدر المنثور ،
لا علاقة له بالمنشور مطلقاً.
إهدأوا ، وارعووا ،
وتعقلوا ، واتقوا الله في مجتمع تنتمون اليه ، وتعرفون انه مجتمع مُنهك ، منهمك في
تحصيل لقمة عيش ولو مغموسة بشيءٍ من تنازل عن كرامة .
إذا لماذا أثير هذا
الموضوع بهذه الطريقة الآن !؟ ولماذا تم ربطه (( بذكاء سلبي خبيث مُسيس )) على
المبادرات !؟ أعتقد ان هناك تنظيماً يود ان يبحث عن دور ، ويثبت بفعلته هذه
انه ما زال موجوداً ، ومؤثراً.
هذه حسابات حزبية أُعدت
بذكاءٍ خبيث ، لأنهم يدركون تحسس بل تخوف الناس من الإعتراض على اي شيء يمس دين
الإسلام الحنيف العظيم ، وتوقعوا ان تُحدث صدى يُربك المجتمع ، وقد حصل ، لكنه
غُثاء سيل .




















