الانتخابات الاسرائيلية (9) لماذا تعد الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات في الوسط العربي عدمية سياسية وتواطؤاً مع الفاشية؟
د حيدر البستنجي
في الوقت الذي يمر فيه
الوجود الفلسطيني داخل الخط الأخضر بأخطر منعطفاته التاريخية، وتتصاعد فيه مشاريع
التضييق والتهجير الصامت التي تقودها التيارات اليمينية الإسرائيلية
المتطرفة، يخرج علينا تيار يدعو إلى "مقاطعة انتخابات الكنيست". هذا
الشعار، الذي يُغلف بمصطلحات أيديولوجية رنانة، ليس في الحقيقة سوى دعوة صريحة
للانسحاب والاستسلام، وترسيخ سياسي للسلبية التي يدفع ثمنها المواطن البسيط من
أمنه، وأرضه، ومستقبل أبنائه. الجلوس على مقاعد المتفرجين في معركة تُحدد مصير
الوجود العربي ليس موقفاً وطنياً، بل هو هندسة واعية للهزيمة الذاتية، وتحويل
المجتمع من فاعل سياسي مشتبك إلى قطيع من الضحايا الصامتين المنتظرين للمذبحة أو
الاقتلاع القادم.
تستند أدبيات المقاطعة
عموماً، إلى فرضية طفولية تُقدس "الطهارة الأخلاقية" على حساب
الواقع. ضمن ما أسماه الفيلسوف الألماني هيغل "الوعي الشقي"؛ حيث
يهرب المُقاطع من تلوث الواقع وقذارة السياسية ليحافظ على نظافة يده باسم الطهر او
الإيمان ، متناسياً أن انسحابه هو الفعل الأكثر تلوثاً لأنه يمنح القاتل
تفويضاً مطلقاً، بالضبط ما نتحدث عنه هنا الحركة الإسلامية الشمالية صاحبة دعوة
التطهر والمقاطعة وبنفس الحجج التطهرية .يتوهم المقاطع أن مجرد وضع ورقة تصويت في
صندوق اقتراع هو "شرعنة" للمنظومة الفاسدة ، لكن هذه الطهرانية
تسقط في فصام يومي ؛ فالشخص الذي يقاطع الكنيست خوفاً من شرعنة الإحتلال العنصري ،
يدفع الضرائب للمنظومة ذاتها، ويقاضي أمام محاكمها، ويتلقى خدماتها، ويتحرك بجواز
سفرها.
بحسب عالم الاجتماع
ماكس فيبر، يمثل تيار المقاطعة الانحدار التام نحو "أخلاق النوايا القصوى"،
حيث لا يهم الحزبي أو المثقف إلا إعلان موقفه المبدئي الصارم بصرف النظر عن
النتائج الكارثية المترتبة عليه. في المقابل، تتطلب المرحلة الحالية اعتناق
"أخلاق المسؤولية"، والتي تقر بأن الغياب في عالم السياسة ليس
محايداً، بل هو مساحة يمنحها المستسلم لخصمه ليتمدد فيها. والتواطؤ بالغياب لا يقل
جرمًا عن التواطؤ بالفعل، و يطرح سدنة المقاطعة بالفعل بديلاً هلامياً يسمونه
"النضال الشعبي وبناء المؤسسات الذاتية". ولكن أين هي هذه البدائل في
لحظات الحقيقة؟ وأين كان هذا الخطاب عندما تحولت الشوارع العربية إلى ساحات تصفية
دموية برعاية وتواطؤ مباشر من أجهزة الأمن الإسرائيلية؟
المقاطعة يوتوبيا لغوية تُستخدم لتخدير
الشارع . شعارات لا تقود إلى فعل حقيقي ، بل هي البديل عن الفعل، فلا يمكن هدم
أداة قائمة (التمثيل البرلماني) دون أن تكون قد شيّدت فعلياً البديل القادر على سد
الفراغ وحماية الناس. وترك المجتمع بلا تمثيل ولا حماية تشريعية، والادعاء بأن
الجماهير ستحمي نفسها بالوعي، هو طرح غيبي يفتقر لأدنى مستويات النضوج الفكري.
السياسة هي لعبة أرقام
ونفوذ، والجهل بقواعدها في دولة أبارتهايد هو غباء مستحكم يخدم أجندة اليمين
الفاشي مباشرة. عندما يقرر مئات الآلاف من المواطنين العرب طواعية التنازل عن حقهم
في التصويت، فإنهم يساهمون في رفع نسبة الحسم لصالح أحزاب المستوطنين، ويمنحون
حكومات اليمين الأغلبية المطلقة لتشريع القوانين العنصرية. لننظر إلى الواقع بلا
مواربة:
* قانون كامينتس العنصري: هذا القانون الذي جفف
عروق البناء العربي وهدم آلاف البيوت، لم يتم تجميد بعض بنوده وتخفيف قبضته إلا من
خلال المناورات البرلمانية والضغط السياسي للأحزاب العربية. انسحاب العرب من
الكنيست يعني إطلاق العنان لسنّ مئة قانون كـ "كامينتس" لتدمير كل بيت
عربي.
* قضايا الأرض والنقب: حينما أرادت السلطات اقتلاع
قرى بأكملها مثل أم الحيران أو العراقيب، لم تكن القصائد القومية هي من يؤخر
الجرافات، بل كان النضال البرلماني البرغماتي، وانتزاع المخططات التوجيهية، وتجميد
القوانين عبر الالتفافات القانونية داخل أروقة البرلمان ولجانه هو الذي يثبّت
الناس في أرضهم.
* نهب الميزانيات: عندما قاطع الشارع العربي
الانتخابات في محطات سابقة وتراجعت نسبة التصويت، كانت النتيجة الفورية هي صعود
حكومات مستوطنين جمدت ميزانيات التعليم، والبنى التحتية، ومحاربة العنف في البلدات
العربية، وحولتها مباشرة لدعم المستوطنات في الضفة الغربية.
إن الاستسلام لطاقة
الإحباط والترويج لفكرة أن "الجميع سواء" هي قراءة مسطحة وبليدة
للسياسة. نعم، المؤسسة الصهيونية معادية بتركيبتها، لكن هناك فرقاً شاسعاً بين
حكومة تتبع سياسة التمييز البيروقراطي التقليدي، وبين عصابة فاشية يقودها مهووسون
يطرحون علناً مشاريع "الترانسفير" والتهجير القسري ونزع المواطنة.
المشاركة في الانتخابات ليست شهادة حسن سير وسلوك للمشروع الصهيوني، بل هي غريزة
البقاء في أحلك صورها. البرلمان ليس معبداً يطلب فية المواطن العربي صاحب الارض
والحق صكوك الغفران، بل هو جبهة اشتباك مادية وأداة كبح دفاعية لتأخير مقصلة
الجلاد. أما الانكفاء على الذات وانتظار المعجزات مع ممارسة التنظير الفوقي، فهو
الهبل السياسي بعينه الذي يهدد بتحويل العرب الصامدين إلى ضحايا صامتين
فالمقاطعة اليوم ليست صموداً، المقاطعة هي التمكين الفعلي للفاشية ولا غالب إلا
الله




















