جودت مناع يكتب: حصاد الفكر ووجع الذاكرة
جودت مناع
كان عام 2026 عامًا من
التراكم الفكري، تخللته فجوات حاولت ردمها بالإنجازات. فقد أصبحت أربعة كتب جاهزة
للنشر بعضها منذ العام الماضي: «الضباب والدموع (ذاكرة رام الله)»، و«ذاكرة صحفي
فلسطيني»، ورواية «شيخ التلال»، ورواية «ظلال على البوسفور: ذاكرة مدينة». غير
أنني أخفقت في طباعتها لأسباب مالية حتى الآن؛ فلا راتب شخصيًا أتقاضاه، ولا راتب
تقاعديًا، منذ تجميد راتبي تعسفا عام 2004 بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات. وهكذا بقيت
بعض ثمار جهدي حبيسة الأوراق، تنتظر فرصة الوصول إلى القراء.
ومنذ عامين، بدأت العمل
على موسوعتين كبيرتين. الأولى بعنوان «الثورة الفلسطينية خلال قرن»، وتتألف من
عشرة مجلدات توشك على الاكتمال. أما الثانية، «موسوعة الصحافة والإعلام العالمية»،
فتتألف أيضًا من عشرة مجلدات، وقد تحتاج إلى وقت أطول لإنجازها. وسبق أن أنجزت
فيلمًا وثائقيًا من جزأين عن حركة «فتح» مدتهما ساعتين، إلى جانب كتابين: «الدعاية
والإقناع الإسرائيلي خلال حملة السور الواقي»، و«مخيمي ذكرياتي» تمت طباعتها عام
٢٠٠٢.
لكن المحطة الأشد
إيلامًا كانت إغلاق «بيت الذاكرة» في العاصمة الأردنية عمّان، رغم دوره الثقافي في
صون الذاكرة الفلسطينية وإبراز قضية القدس من خلال الحملة الدولية للدفاع عن
القدس. لقد أُغلق المكان الذي كرّست له عشر سنوات من الجهد الفكري والمعنوي، من
دون أن يحظى بأي دعم من الأقربين، وأصبح جزءًا من الماضي لكنه حاضرا في القلب. أما
الفكرة، فلم تمت، بل بدأت مجددًا تبحث عن مسارات جديدة في ثلاث عواصم عالمية.
وفي هذه المرحلة من
العمر، أرى أنني ائتمنت فلسطين على أوراقي وإنجازاتي. ليس ذلك مفاخرة أو ادعاءً،
بل واجب وطني وقومي أعتز به؛ فهو ثمرة تربية أسرية وطلابية وثورية، أعقبتها تجربة
إعلامية امتدت لعقود.
ومع ذلك، لم أجد ما كنت
أرجوه من دعم معنوي أو تمويل يتيح لهذه الأفكار الناضجة أن ترى النور. وقد تبلورت
هذه الأفكار خلال المرحلة التي أعقبت اتفاق منظمة التحرير الفلسطينية مع الجانب
الإسرائيلي، وما رافقها من تحولات سياسية ووطنية ما زلنا نعيش نتائجها.
إن تراكمات الاستيلاء
على الحقوق الشخصية والوطنية العامة، إلى جانب أمور أخرى لا أريد الخوض فيها في
هذه المرحلة، وما رافق ذلك من تجاهل متعمد للأزمة التي مررت بها، تمثل في نظري
وصمة عار على جبين من اختاروا اللامبالاة. فالأزمة لم تكن، في جوهرها، شأنًا
شخصيًا معزولًا عن السياق الوطني، بل ارتبطت بأسئلة أوسع تتعلق بالحقوق والوفاء
والمسؤولية.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."




















