لماذا تستهدف أصابع الغدر بلدة"حمود"؟
د حيدر البستنجي
في البداية ما جرى في
بلدة حمود جريمة مكتملة الأركان ضد كل ما هو إنساني ووطني في وجداننا ، الرصاص
الذي أطلق كان يستهدف الجمال والخير الموجود فينا جميعاً ، هذا ليس رصاصاً مجهول
النسب يتحرك عبثا ، بل ارهاب غادر واعتداء يستهدف النيل من الهوية
والعمق النبيل لهذه القرية ولكل أردني محب للحياة.
ولأننا نثق في اجهزتنا الامنية، لا نشك بقدرتها
على قطع أصابع العابثين ومن يقف خلفهم وتجعل من يفكر بالعبث بأمن الأردن
والأردنيين يعيد حساباته ؛ هذا البلد عصي على الارهاب وسيبقى شوكة في قلوب
المعتدين .
الإرهاب خاب مسعاه ،
حين يوجّه نيرانه نحو كنيسة في قرية صغيرة وادعة، لم يضرب عبثاً، بل استهداف
رمزية تاريخيّة و نسيجاً وطنياً تمثله هذه البلدة (العروبية). لكن
الإرهاب هنا قشرة عابرة تسعى لتدمير الجذور الصلبة، وبلدة حمود تمتلك جذوراً ضاربة
في عمق العروبة والمقاومة ، الأمر الذي يجعل نسيجها المتين عصياً على الفتن
الجاهزة ومشاريع التفتيت، وقد أشار الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في أطروحاته
حول حالة الاستثناء التي تسعى اليها القوى المتطرفة بقوله : "إن قوى
الاستبداد والدمى المحركة لها تسعى دوماً لتحويل الحياة الإنسانية الآمنة إلى ساحة
مستباحة، لإلغاء أي صوت يمتلك شرعية وجودية وتاريخية". الرصاص الذي انطلق وسط
دموع المشيعين إنما يُعبر عن عجز الدمى الأصولية ومن يقف وراءها ، عن كسر
البنية العروبية الصلبة للكرك خشم العقاب ولهذه القرية الوادعة المتجذرة في الوعي
والعروبة . فمن يخشى التاريخ، يحاول اغتيال حراسه، و قرية حمود لم تكن يوماً
هامشاً بل متناً راسخاً؛ والقتلة يدركون جيداً أن سجلها حافل بالرموز والمواقف
التي أسست للوعي التحرري والقومي، متجاوزة جغرافيتها الصغيرة لتصبح منارة تاريخيّة
فكريا وسياسيا؛ فمن هذه القرية خرجت قامات ممن ناهضوا سياسات التتريك والإقصاء
التي قادها حزب الاتحاد والترقي العثماني؛ ويسجل التاريخ أسماءً بحجم الشيخ عودة
سلمان القسوس الهلسا (عضو مجلس الأعيان والنواب المبكر )، والخوري عودة خليل
الشوارب (الذي شغل منصب وزير في حكومة الكرك المحلية قبل تأسيس الإمارة)، كشواهد
على الانخراط المبكر في صياغة الهوية الوطنية المستقلة.
كما امتد أثر البلدة
التنويري ليقدم للدولة الأردنية بُناتها الأوائل؛ مثل الدكتور حنا سلمان القسوس
(من أوائل الأطباء الأردنيين ووزراء الرعيل الأول)، والدكتور صالح خليل البرقان
(الوزير والعين والنائب الحاضر في الوجدان الوطني)، وصولاً إلى رجال القانون
الكبار كالمحامي والوزير أديب سلامة سليمان الهلسا الذي رفد المكتبة القانونية
بتشريعات وأنظمة قضائية مرجعية.
وتشهد سجلات المقاومة
احتضان هذه القرية لروح الفداء؛ إذ رفدت المقاومة الفلسطينية بعشرات الفدائيين.
ولا يمكن للتاريخ أن ينسى المناضلة الفذة تيريز هلسا، بطلة عملية مطار اللد
الشهيرة عام 1972 والتي أصابت نتنياهو نفسه وقتها ، ولا البطل مشعل الخيطان، الذي
دفع ضريبة الصمود سنوات طويلة خلف قضبان معتقل الخيام في جنوب لبنان. و من هذا
الثرى، انطلق المفكر والروائي والناقد الفذ غالب هلسا، أحد أبرز الوجوه الثقافية
العربية التي لم تكتفِ بالتنظير، بل جسدت الوعي الفكري عملاً ومقاومة، واعتلت
متاريس بيروت إبان الحصار الصهيوني دفاعاً عن الوجود العربي. ولا ننسى كذلك العلامة
العروبي والمؤرخ يعقوب العودات (البدوي الملثم).
عندما نضع هذه التفاصيل تحت المجهر
، ندرك أن الجريمة الإرهابية الجبانة التي مست قرية حمود لم تكن عبثية
بل كانت تهدف إلى بعثرة النسيج القومي والوطني، وخلق إحساس بالهشاشة والخوف لهذه
الحاضنة الواعية والمثقفة .
لكن،
وكما يعلمنا التاريخ، فإن المجتمعات الحية التي تمتلك رصيداً كأرصدة بلدة حمود،
تحول لحظات الوجع إلى طاقة تلاحم متجددة، فكنيسة قرية حمود ليست مجرد
جدران اسمنتية، بل تجسيد حي للتعايش المشترك والتآخي القومي والعروبي. وسيبقى رصاص
الغدر عاجزاً عن كتابة السطر الأخير في البلدة التي اعتادت أن تصوغ تاريخها
ومستقبلها بالوعي والمقاومة ، ولا غالب إلا الله .




















