شريط الأخبار
لا أنباء رسمية من الأمن العام تؤكد القبض على الخلية الإرهابية في الكرك لا تحوّلوا الجريمة إلى قضية دينية! الكرك… حين يراد للأردن أن ينشغل بنفسه عن فلسطين جيش الاحتلال يستبيح بتوحش الضفة الغربية: اعتقالات وهدم وتنكيل الفايز: وحدة الأردنيين بمواجهة الهجوم الارهابي افشلت محاولات اثارة الفتنة ترامب يهدد مجددا بضرب إيران.. وطهران ترد بعزمها توسيع المواجهة انتخاب الأميرة دانا فراس نائبًا لرئيس المجلس العالمي للمعالم والمواقع عن المنطقة العربية مسلمون ومسيحيون معا في مواجهة الإرهاب والاحتلال جريمة كنيسة حمود: دم أبناء الكرك هو دم الوطن كله أسعار القمح تتجه لأطول موجة خسائر منذ ثلاثة عقود السبت .. طقس معتدل واحتمال زخات مطرية متفرقة السفارة الأمريكية في عمّان تحذر رعاياها بعد جريمة الكرك ارتفاع عدد شهداء الهجوم الإرهابي في الكرك إلى 8 العجارمة يطالب بسن قانون فعال يجرّم خطاب الكراهية تخصيص الإذاعة المدرسية الأحد لإدانة الهجوم الإرهابي على الكنيسة انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 81.40 دينارا للغرام عمان الأهلية تُدين الإعتداء الإرهابي بالكرك وتؤكد الوقوف أسرة أردنية واحدة خلف جلالة الملك الفراية: لا صحة لتكفيل احد الإرهابيين قبل اسبوعين وقفة تضامنية امام مجمع الكنائس بالصويفية استنكارا للعمل الارهابي بكنيسة حمود عشيرة الذنيبات تستنكر الجريمة الإرهابية في الكرك: حمى الله الوطن من شر الفتن

مسلمون ومسيحيون معا في مواجهة الإرهاب والاحتلال

مسلمون ومسيحيون معا في مواجهة الإرهاب والاحتلال


بقلم: جودت مناع

 

الحدود لا تمنع ترابط الأحداث، ولا تحول دون امتداد آثارها من مكان إلى آخر، خصوصًا حين تكون تلك الأحداث من صنع الإنسان، وحين تستهدف تشويه الطبيعة الإنسانية وتغيير ملامح المكان والذاكرة. وبينما نتأمل نجمًا في السماء، أراه وتراه، ولا يحجب رؤيتنا إليه سوى غيمة عابرة أو ضوء نهار ساطع. هكذا تبدو العلاقة بين الخليل الفلسطينية والكرك الأردنية: مدينتان تفصل بينهما الحدود، لكنهما تلتقيان في فضاء الوجع الإنساني، وإن اختلفت ظروفه ومظاهره.

 

في يوم الجمعة، بدا المشهد وكأن حبكة خفية تجمع بين مدينتين لا ترى إحداهما الأخرى على الأرض، فيما تتباين صورة الحدث وتوقيته وطريقة ظهوره في الوعي العام. هناك، في الخليل، تتعرض عائلات فلسطينية للتهجير من منازلها، وتُدفع إلى المجهول بلا ضمانات لمستقبلها؛ وهنا، في الكرك، مدينة الشرفاء، تتصدر مأساة أخرى المشهد، ويجد الأردنيون أنفسهم أمام ألم يمس أمنهم الاجتماعي ووجدانهم الوطني.

 

الجريمة تطرح شكوكا مشروعة تشير إلى أن حدثًا تسبب في الآخر، وهل التزامن دليل على وجود تدبير مشترك، هذه المقارنة تفتح بابًا للتأمل في كيفية توظيف الأحداث، وفي تفاوت الضوء الذي يُسلّط عليها، وفي قدرة الخوف على توجيه المشاعر العامة وصرف الانتباه عن مأساة أخرى يعيشها شعب بأكمله.

 

هنا تستوقفني فلسفة باروخ سبينوزا، الفيلسوف الهولندي من أصل يهودي، الذي أحدثت أفكاره في القرن السابع عشر تحولًا عميقًا في التفكير الفلسفي، ولا سيما في تصوره للعلاقة بين الإيمان والطبيعة. فقد طرح رؤية فلسفية تقوم على وحدة الجوهر، ارتبطت بعبارته الشهيرة «الله أو الطبيعة». وقد أدت أفكاره إلى صدامه مع الجماعة اليهودية في أمستردام، التي أصدرت بحقه قرار الحرمان عام 1656، ثم عاش بعيدًا عن محيطه الأول، متفرغًا للفلسفة.

 

لذلك السؤال الذي يعنيني هنا هل انبثقت  الصهيونية من فلسفة سبينوزا بعد قرنين، وهل تثبته الوقائع التاريخية، بل كيف يمكن أن تتحول الأفكار، حين تدخل ميدان السياسة والسلطة، إلى تصورات عن الإنسان والأرض والحق والآخر. فالصهيونية الحديثة نشأت في سياق تاريخي يتيح لنا مناقشة ممارسات الاستعمار والإرهاب والإقصاء والتهجير نقديًا وما تفعله الأيديولوجيات حين تجعل حقوق جماعة ما مقدمة على حقوق جماعة أخرى لخدمة أهداف الاحتلال والاستعمار.

 

ومن هذا المنظور، تبدو المأساة الفلسطينية في الخليل جزءًا من واقع أوسع يتجاوز حدود المدينة، لأن الألم ينتقل عبر مؤامرة واحدة، ولأن سياسات الاقتلاع والعنف تتوسع وتترك آثارًا تتردد في محيطها، ولأن المجتمعات الإنسانية تتأثر بما يصيب جيرانها وشعوبها القريبة من إرهاب واحتلال.

 

الخليل والكرك ليستا مجرد مدينتين على خريطة؛ إنهما صورتان لاختبار الضمير الإنساني. في الأولى، يعيش الفلسطينيون تحت وطأة الاحتلال والتهجير والإرهاب، وفي الثانية، يواجه الأردنيون جريمة تهدد أمنهم ونسيجهم الاجتماعي بجريمة غريبة على تقاليد وعادات الأردنيين. وبين الحدثين تتكشف مفارقة تستحق التأمل: كيف تتصدر مأساة المشهد العام، بينما تتوارى مأساة أخرى خلف عتمة التغطية أو اعتياد الأخبار أو تضارب الأولويات؟ ذلك ما يصنعه من يقف وراء الجريمتين.

 

إن الخوف من الإرهاب، أيًّا كان مصدره ومكانه، لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتوجيه العواطف العامة أو إلى وسيلة تمنح العنف السياسي حصانة من المساءلة. فالإرهاب جريمة، والتهجير القسري جريمة ضد الإنسانية تفوق تداعيات الإرهاب إن لم تشبهه، والاعتداء على المدنيين انتهاك تبرره هوية الفاعل لاستهداف هوية الضحية. ولا يجوز الخضوع لأن يصبح التعاطف انتقائيًا، أو أن يُقاس حق الإنسان في الحياة والأمان بموقعه الجغرافي أو بهويته الدينية والوطنية وفقاً لما يخطط له الجناة.

 

ولعل الذاكرة الفلسطينية تقدم شاهدًا آخر على هذه الحقيقة. فقد شهدت مدينة بيت لحم، قبل عقود، حيث بتلاحم الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه، جرائم مؤلمة طالت مقابر مسيحية، وأثارت مخاوف وتساؤلات بشأن الجهات التي تقف وراءها. وثبت بالدليل القاطع على تدخل الموساد الإسرائيلي والتخطيط لها. غير أن الدلالة الأعمق التي تستحق التوقف عندها تتمثل في قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة محاولات بث الشقاق بين أبنائه، مسلمين ومسيحيين، حين يدركون أن الأرض والذاكرة والمصير المشترك ومقاومة الاحتلال أقوى من محاولات التفريق.

 

فالمسيحيون والمسلمون في فلسطين ليسوا جماعتين غريبتين تعيش إحداهما إلى جوار الأخرى، بل مكوّنان أصيلان من نسيج تاريخي واجتماعي تشكل عبر قرون وكذلك في الاردن. وقد عبّرت اجراس الكنائس والمآذن ومشاهد الصلاة المشتركة بين الشيوخ والكهنة في كنيسة المهد، ثم في مسجد عمر بن الخطاب في بيت لحم، حدادا على رحيل الرئيس المصرى جمال عبد الناصر عام ١٩٧١ عن هذا الانتماء المشترك، وعن حزن يتجاوز حدود العقيدة إلى فضاء الوطن والإنسان.

 

تلك المشاهد ليست تفصيلًا عابرًا في الذاكرة؛ إنها رسالة في مواجهة كل مشروع يسعى إلى تفكيك المجتمع أو تحويل اختلافاته الدينية إلى شقوق سياسية واجتماعية. فحين يتشارك الناس الألم، ويتضامنون في مواجهة الظلم، يصبح الانتماء إلى الأرض والأمن  والوجود رابطة تتقدم على محاولات الاستقطاب والتحريض لمصلحة الغزاة.

 

إن وحدة الوجود، في معناها الفلسفي، مسألة تتعلق بطبيعة الوجود وعلاقة الله بالعالم، لكن الحركة الصهيونية تعمل على اختزالها في عقيدة سياسية وتنسبها إلى الديانة اليهودية مباشرة كغطاء لجرائم بأشكال وفي جغرافيا مختلفة. لكن ثمة وحدة أخرى يمكن أن نستخلصها من الواقع، هي وحدة المصير الإنساني: أن ما يصيب الإنسان في الخليل لا ينبغي أن يعزل عن ضمير العالم بسبب غرابة الإرهاب الذي ضرب كنيسة حمود في الاردن، وأن ما يصيب الإنسان في الكرك لا ينبغي أن يُستغل إعلاميا لإغفال معاناة الفلسطينيين، وأن التضامن لا يفقد صدقيته حين يتسع ليشمل الجميع. وعلى الإعلام أن يدرك الفخ الذي نصبه الاحتلال للتغطية على جريمته في الخليل ومدن فلسطينية أخرى بافتعال جريمة في الكرك.

 

إن أخطر ما يمكن أن فعلته الأيديولوجية الصهيونية المغلقة هو أن تقنع أصحابها بأن الألم حق حصري لشعب يحتضن عقيدتي ( الإسلامية والمسيحية)، وأن استمرار الاحتلال والتوسع الجغرافي وتأسيس "إسرائيل الكبرى" الذي يهدد وجود دول عربية أخرى ومنها الاردن لا يتحقق إلا على حساب أمن الآخرين، وأن الأرض لا تتسع إلا لمن يُقصي سواه. أما التاريخ فيعلمنا أن الاحتلال والإرهاب قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يستطيع أن يمحو الذاكرة أو يلغي حق الشعوب بأطيافها ومعتقداتهم في الحرية والكرامة.

 

ستبقى الخليل شاهدة على صمود الإنسان في وجه الاقتلاع، وستبقى الكرك شاهدًا على قدرة المجتمع الأردني على التمسك بوحدته في مواجهة الإرهاب. وبين المدينتين، لا تصنع الحدود قطيعة في الضمير، ولا تستطيع العتمة أن تحجب الحقيقة إلى الأبد؛ المسلمون والمسيحيون على هذه الأرض معا الى الأبد.

 

فقد تختلف مسارات الألم، لكن العدالة لا تتجزأ، والكرامة الإنسانية لا تعرف الحدود. ومن يراهن على أن الخراب قادر على إخضاع الشعوب إلى الأبد، يتجاهل أن الذاكرة أطول عمرًا من القوة، وأن التضامن أقدر على البقاء من الخوف، وأن سقوط الإرهاب والاحتلال يبدأ حين يرفض الإنسان أن يرى مأساة أخيه بوصفها شأنًا بعيدًا عنه.

 

"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."