الخلايا النائمة: هل ننتظر أن يستيقظ الإرهاب في بيوتنا؟
النائب الدكتور علي الطراونة
حين يصبح التطرف فكرةً
في عقل، وتحريضًا على لسان، ومشروعًا للعنف، فإن مواجهة الإرهاب لا تبدأ عند وقوع
الجريمة، بل قبل ذلك بكثير ، و إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الإرهاب حين
يعلن عن نفسه فحسب، بل ذلك الفكر المتطرف الذي يتسلل بصمت إلى العقول، ويعيد تشكيل
الوعي، ويحوّل الكراهية إلى قناعة، والإقصاء إلى عقيدة، والعنف إلى وسيلة يدّعي
أصحابها أنها طريق للخلاص ، إن الخلايا النائمة ليست مجرد أفراد يختبئون
بعيدًا عن الأنظار، بل إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يجد الفكر المتطرف بيئةً
تحتضنه، وعقلًا يتقبله، ومنبرًا يروّج له، وشابًا يشعر بالضياع فيجد في خطاب
الكراهية إجابةً زائفة عن أسئلته.
وهنا يبرز السؤال الذي
ينبغي أن نواجهه بشجاعة: هل نكتفي بإدانة الإرهاب بعد وقوعه، أم نمتلك من الوعي والمسؤولية
ما يكفي لمنع الفكر الذي يصنعه قبل أن يتحول إلى جريمة؟
إن ما شهدته محافظة
الكرك من حادث إرهابي ، يستدعي التمسك بالوعي والمسؤولية الوطنية، وانتظار
المعلومات الموثوقة من الجهات المختصة، بعيدًا عن الشائعات والتكهنات. فالأحداث
الأمنية لا تُواجَه بالانفعال وحده، وإنما بالوعي والتماسك والتعاون المسؤول.
إن تنظيم داعش وأمثاله
لا يعتمدون على السلاح وحده، بل على منظومة من الأفكار المسمومة التي تقوم على
تكفير الآخرين، واحتكار الحقيقة، ورفض الاختلاف، ونزع الإنسانية عن المخالف، ثم
تبرير الاعتداء عليه باسم الدين.
ومن هنا، فإن المواجهة
الأمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فالتصدي للإرهاب يتطلب مواجهة فكرية وتربوية
واجتماعية وإعلامية متكاملة، تكشف زيف الخطاب المتطرف، وتحصّن الأجيال من التضليل،
وتعيد الاعتبار لقيم الاعتدال والرحمة وسيادة القانون.
إن واجبنا الوطني لا
يقتصر على رفض الجريمة، بل يمتد إلى رفض كل خطاب يمهّد لها، وكل تحريض يبررها، وكل
محاولة لاستغلال الدين أو المظلومية أو الغضب لاستدراج الشباب إلى طريق العنف.
ويجب ان نعرف ان هناك
دور كبير على الاسره وانه عليها أن لا تترك أبناءها فريسةً للفضاء الرقمي، ثم تتفاجأ
بأن أفكارًا غريبة قد تسللت إلى عقولهم، و إن دورها يبدأ بالحوار، وبناء
الثقة، والاستماع إلى أسئلة الأبناء ومخاوفهم، وعدم تركهم وحدهم أمام المحتوى الذي
يروّج للكراهية والتكفير والعنف ، وعلى الوالدين الانتباه إلى التحولات المقلقة
عندما تترافق وتتطور، مثل الانشغال المتزايد بخطابات تمجّد العنف، أو تبرير
استهداف الأبرياء، أو تكرار التهديدات والتحريض، أو الدخول في محاولات استقطاب
وتجنيد لصالح جماعات متطرفة، و لكن من الضروري التأكيد أن الانعزال، أو الغضب، أو
التدين، أو الاختلاف في الرأي، لا يجعل الإنسان متطرفًا بالضرورة. العبرة في مضمون
الأفكار والسلوكيات، ومدى ارتباطها بالتحريض على العنف أو الاستعداد له.
إن الأسرة الواعية لا
تتجسس على أبنائها ولا تتهمهم جزافًا، بل تقترب منهم، وتفتح أبواب الحوار، وتطلب
المساعدة المتخصصة عند الحاجة، وتبلّغ الجهات المختصة إذا ظهرت مؤشرات جدية على
تهديد الآخرين.
وعلينا إن نعرف المدرسة
ليست مكانًا لتلقين المعلومات فقط، والجامعة ليست محطة للحصول على الشهادة وحدها؛
بل هما مؤسستان أساسيتان في بناء الشخصية الوطنية، وتعزيز التفكير النقدي، واحترام
القانون، وقبول التعددية، ومن واجب المؤسسات التعليمية أن تمنح الطلبة
القدرة على التمييز بين المعرفة والشائعة، وبين النقاش الفكري والتحريض، وبين
التدين المعتدل والخطاب الذي يوظف الدين لتبرير القتل والكراهية ، كما ينبغي تدريب
المعلمين والمرشدين التربويين على التعامل مع مظاهر الاستقطاب والتطرف بطريقة
مهنية، وتوفير قنوات آمنة لطلب المساعدة والإبلاغ عن التهديدات الحقيقية، بالتنسيق
مع الأسر والجهات المختصة.
أما الجامعات، فعليها
مسؤولية مضاعفة في مواجهة محاولات التجنيد الفكري، وتعزيز ثقافة الحوار، وإقامة
الندوات التي تفكك خطاب الجماعات المتطرفة، وتمنح الشباب مساحة للتعبير والنقاش
بعيدًا عن الإقصاء والتخوين ، فالشاب الذي يمتلك القدرة على السؤال والتحليل
والتحقق، أقل عرضة لأن يكون ضحية خطاب يطالبه بإلغاء عقله وتسليم إرادته للمتطرفين.
ان للمنابر الدينية دور
محوري في حماية المجتمع من الغلو والانحراف الفكري، لأنها تخاطب الضمير وتؤثر في
منظومة القيم والسلوك ، ومن هنا، تقع على عاتق العلماء والخطباء والدعاة مسؤولية
واضحة في بيان حرمة دماء الأبرياء، ورفض التكفير والتحريض، وتفنيد التأويلات
المنحرفة التي تتخذها التنظيمات الإرهابية غطاءً لجرائمها، كما ينبغي أن
تتناول الخطب والدروس قضايا الشباب وأسئلتهم الواقعية، وأن تعزز مفهوم المواطنة،
وحرمة الاعتداء، واحترام الاختلاف، وضرورة الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين بدلًا
من تلقي الدين من حسابات مجهولة ومقاطع مبتورة على الإنترنت ، إن المنبر الذي ينشر
الاعتدال، ويواجه الغلو بالحجة والمعرفة، يسهم في حماية العقول قبل أن تتحول
الأفكار المنحرفة إلى سلوك خطر.
واالاعلام دور
كبير حيث عليها مراقبه ما يتم نشره على جميع منصات التواصل وانه لم يعد نشر
الفكر المتطرف محصورًا في اللقاءات المغلقة؛ فقد أصبحت المنصات الرقمية وسيلة لنشر
الدعاية المتطرفة، واجتذاب الأتباع، وتزييف الحقائق، واستغلال المشاعر والغضب ،
لذلك، تقع على الإعلام مسؤولية عدم منح الإرهابيين المنابر التي يبحثون عنها، وعدم
إعادة نشر موادهم الدعائية بطريقة تساهم في ترويجها، مع تقديم معلومات دقيقة
وموثوقة تشرح مخاطر التطرف وتفند مزاعمه.
وعلى المواطنين أيضًا
ألا يكونوا أدوات لنشر الشائعات، أو تداول أسماء وصور أشخاص دون دليل، أو إعادة
نشر تسجيلات غير موثقة بزعم التحذير منها ، فالمعلومة غير المؤكدة قد تضر
بالأبرياء، وتثير الخوف، وتعرقل عمل الجهات المختصة. أما الوعي الرقمي، فيعني
التحقق من المصدر، والامتناع عن الترويج للمحتوى التحريضي، والإبلاغ عن المواد
التي تتضمن تهديدات جدية أو تجنيدًا للعنف عبر القنوات الرسمية
اما بخصوص الحس الأمني
والمقصود هنا ليس أن يتحول كل مواطن إلى محقق، أو أن نعيش في دائرة من الشك
والخوف، بل أن نمتلك القدرة على ملاحظة الوقائع المقلقة، والتمييز بين السلوك
العادي والمؤشرات التي تستحق إبلاغ الجهات المختصة بها.
و هناك مؤشرات يجب ان
تستدعي الانتباه لكي نطور الحس الامني لدى الجميع ومنها عندما نجد ان هناك اشخاص
يمجدون قتل الابرياء والتححريض الصريح على العنف ، أو التهديد باستهداف
أشخاص أو مواقع، أو الدعوة إلى تنفيذ اعتداءات ، كذلك يجب الانتباه الى محاولات
استدراج الآخرين إلى جماعة إرهابية، أو الضغط عليهم للمشاركة في أعمال عنيفة ، و
نشر مواد إرهابية بقصد التحريض أو التجنيد و الترويج المتعمد لدعاية التنظيمات
الإرهابية أو استخدامها لتبرير الاعتداءات واستقطاب الآخرين.
وهنا لا بد من الانباه
الى قاعدة أساسية انه لا يُحكم على الناس بمظهرهم أو أصولهم أو تدينهم أو آرائهم
وحدها، وإنما تُقيّم الوقائع والسلوكيات والأدلة من قبل الجهات المختصة ، فليس كل
من اعتزل الناس متطرفًا، وليس كل من اختلف معنا في الرأي خطرًا على المجتمع، وليس
من حق أي فرد أن يواجه من يشتبه به بنفسه أو أن ينشر اتهامات بحقه ، و إن الحس
الأمني الحقيقي هو أن نلاحظ دون أن نتجسس، وأن نبلّغ دون أن نتهم، وأن نتعاون دون
أن نثير الفوضى.
يجب على الجميع ان يعلم
إن الأجهزة الأمنية هي الجهة المخولة بتقييم المعلومات والتحقيق في التهديدات
واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. أما المواطن، فدوره أن يكون شريكًا واعيًا في
الوقاية، لا بديلًا عن المؤسسات المختصة ، وهذا يتطلب تعزيز الثقة بين
المواطنين والجهات الأمنية، وتوضيح قنوات الإبلاغ، والتعامل الجاد والمهني مع
المعلومات، وحماية خصوصية المبلّغين وفق الإجراءات المعتمدة.
وفي الأردن، تؤكد
الاجهزه الامنية أن حماية الأمن الوطني مسؤولية يشارك فيها أبناء المجتمع، وتدعو
إلى تقديم المعلومات المتعلقة بما قد يهدد أمن الوطن واستقراره عبر قنواتها
الرسمية ،وعند وجود خطر فوري أو تهديد جدي للحياة، ينبغي الاتصال بارقام الطوارى ،
وعدم الاقتراب من المشتبه به أو محاولة مواجهته، وترك التعامل مع الواقعة
للجهات المختصة.
يجب علينا إن نعلم ان
مواجهة التطرف تحتاج إلى خطة وطنية متكاملة، تتوزع فيها المسؤوليات بوضوح ، لذلك
نحن بحاجة إلى وجود برامج توعية مستمرة في المدارس والجامعات حول الفكر
المتطرف ووسائل التجنيد الرقمي ، وتأهيل الأئمة والخطباء والمعلمين والمرشدين
للتعرف على خطاب التحريض والتعامل معه بمهنية، و توفير قنوات موثوقة وآمنة للإبلاغ
عن التهديدات، وتعريف المواطنين بكيفية استخدامها ، دعم الأسر والشباب نفسيًا
واجتماعيًا وتربويًا، ومعالجة العزلة والإقصاء والمشكلات التي قد تستغلها الجماعات
المتطرفة في الاستقطاب ، و تعزيز التعاون بين المؤسسات الأمنية والتربوية والدينية
والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني ، مواجهة الدعاية الإرهابية بالحجة
والمعلومة الصحيحة، لا بالشائعات أو التعميم أو خطاب الكراهية ، إن نجاح هذه
الجهود لا يقاس بعدد الندوات التي نعقدها أو البيانات التي نصدرها، بل بقدرتنا على
بناء جيل يفكر قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويرفض العنف قبل أن يجد طريقه إلى
الواقع.
وفي النهايه يجب ان
نعلم إن حماية الوطن لا تبدأ عند الحواجز الأمنية وحدها، بل تبدأ من بيت يحتضن
أبناءه، ومدرسة تبني عقولهم، وجامعة توسع مداركهم، ومنبر ينشر الاعتدال، وإعلام
يتحرى الحقيقة، ومواطن يعرف متى يتدخل ومتى يترك الأمر للجهات المختصة ، إن
الخلايا النائمة، مهما كانت طبيعتها، لا ينبغي أن تكون ذريعة لنشر الخوف بين
الناس، بل دافعًا لتعزيز الوعي والتعاون المسؤول. فالمجتمع الذي يراقب بعضه بعضًا
بالشك ليس مجتمعًا آمنًا، والمجتمع الذي يتجاهل التهديدات ليس مجتمعًا محصنًا.
إن الطريق الصحيح هو
مجتمع واعٍ، متماسك، يرفض التطرف، ويحتضن أبناءه، ويحترم القانون، ويتعاون مع
مؤسساته و لا ينتظر أن يتحول الفكر المتطرف إلى رصاصة، ولا تتركوا الكراهية تنمو
بصمت، ولا تجعلوا الخوف من الإرهاب سببا في ظلم الأبرياء. واجهوا الفكر
بالوعي، والتحريض بالقانون، والتطرف بالتربية، والتهديد بالتبليغ المسؤول
،فالأوطان لا يحميها السلاح وحده؛ يحميها أيضًا وعي أبنائها، وتماسك مجتمعها،
وعدالة مؤسساتها، وإيمان أهلها بأن أمن الوطن مسؤولية مشتركة لا تقبل التهاون ولا
المزايدة.
















