ادارات الضمان .. وقرارات الحكومات
عوض
ضيف الله الملاحمة
أتحسس
، وأتلمس ، وأتفحص أوجاع وطني الأردن الحبيب ، وأكتب عنها ، مُشخِّصاً الداء ،
وواصفاً الدواء ، قدر إمكانياتي ، وقدراتي ، وخبراتي . كما أبحث عن أماكن
التميز في الأداء وأُشيد فيها شاكراً ، ومفتخراً بالإنجاز.
أكتب
عن وطني لا لغاية شخصية ، ولا لمصلحة ذاتية . ولا يتدخل أحداً بما يخط قلمي ، ولا
أقبل توجيهاً ، ولا أتقبل تلميحاً مطلقاً ، حيث كل ما يخطه قلمي المتواضع ( نخطاً
من رأسي ) . لديّ باروميتر خاص ، حساس ، ملتزم بقيمي ، وأخلاقي ، وديني ، وثوابتي
الراسخة ، وإنتمائي الصادق غير المصلحي ، وهو الذي أقتدي به ، وأسير على هُداه.
منذ
شهور ، ووسائل التواصل الإجتماعي تعج بالبوستات ، والمقالات ، والتعليقات
تشنيعاً ، وقدحاً ، وذماً ، وتشويهاً ، وإنتقاصاً ، وإنتقاداً من حصافة وكفاءة من
تولوا إدارت الضمان الإجتماعي كمدراء عامين . وقالوا في وصفهم فرادى وجماعات بإفصاحات
، وتلميحات ما عجز عنه مالك في وصف الخمر .
أقولها
بوضوح ، وصراحة ، علماً انه لم تربطني اية علاقة او معرفة شخصية بأي من المدراء
العامين لمؤسسة الضمان الإجتماعي مطلقاً . أقول ان جميع المدراء العامين لمؤسسة
الضمان الإجتماعي منذ تأسيسها في بداية ثمانينيات القرن الماضي ، بأنهم جميعهم (
أكفاء ) ومتميزين في قدراتهم الإدارية والعلمية ولم تشُب غالبيتهم أية شائبة
مطلقاً . وقد أداروا المؤسسة بحصافة ، وحضارية ، وتميز منقطع النظير ، مقارنة
بمؤسسات الوطن الأخرى .
ونتيجة
لذلك كانت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ، مؤسسة ناجحة ، بل رائدة ، ومتميزة ،
ومتطورة في أدائها . والدليل على ذلك ما يلي :—
١ )) أنها كانت تؤدي التزاماتها تجاه المتقاعدين وغيرهم
من المتعاملين معها في وقتها تماماً .
٢ )) والدليل الآخر ان موجودات مؤسسة الضمان الإجتماعي حتى
نهاية عام ٢٠٢٥ تقدر بحوالي ( ١٨,٦ ) مليار دينار .
٣ )) ان المؤسسة كان لديها سيولة نقدية كبيرة تزيد عن ( ١٠,٦
) مليار دينار .
مشكلة
مؤسسة الضمان الإجتماعي تنحصر في إقتراض الحكومات من مؤسسة الضمان الإجتماعي
خلال ال ( ٦ ) أعوام الماضية ، وتحديداً منذ بدء جائحة كورونا . وتمثل ذلك
في
إقتراض مبلغ ضخم ، إستنزف تقريباً كامل السيولة النقدية المتوافرة لدى مؤسسة
الضمان الإجتماعي ، حيث وصل إجمالي المبلغ المُقترَض الى ( ١٠,٦ ) مليار
دينار . ومما زاد الطين بِلّةً انه لم يوضع جدول للسداد .
يامن
تُشغِلون وسائل التواصل الإجتماعي ، هل من المنطق والعقل ان تنهشوا بمؤسسة الضمان
الإجتماعي وتجرِّحوا بمدرائها العامين وهم الذين بجهودهم وصلت نجاحات المؤسسة لأن
يكون لديها موجودات بحدود ( ١٨,٦ ) مليار دينار ، كما كان لديها سيولة نقدية تزيد
عن ( ١٠,٦ ) مليار دينار ؟
إرتبك
أداء مؤسسة الضمان الإجتماعي منذ إستنزاف سيولتها ، دون الإستناد الى جدول لسداد
تلك المديونية الحكومية . ولولا ذلك لاستمرت مؤسسة الضمان في إزدهارها
، وتطورها ، ونمائها ، ولكانت مدخرات الأردنيين في أمانٍ تام.
وينتقدون
أداء مؤسسة الضمان الإجتماعي لأن بضع عشرات من الأشخاص يتقاضون رواتب عالية
او خيالية .
يا
سادة يا كرام ، الذين يتقاضون رواتب عاليه من الضمان ، لم يسرقوها ، بل
حصلوا عليها إستناداً لقانون الضمان الإجتماعي السابق . وهم بالأصل كانوا يتقاضون
رواتب عالية في وظائفهم ، وما العيب في ذلك ؟ أليس طبيعياً ان من كان يُشغل
منصباً مرموقاً في أحد البنوك الرائدة الكبرى ، مثلاً ، وراتبه الشهري يزيد
عن ( ٢٥,٠٠٠ ) او ( ٣٠,٠٠٠ ) دينار ان يتقاضى راتباً تقاعدياً يصل الى (
١٠,٠٠٠ ) دينار ويزيد !؟ من الطبيعي ان يحصل من كانوا يتقاضون رواتب عالية على
رواتب تقاعدية عالية . وللعلم ، ان من حصل على راتب تقاعدي عالي وبالآلاف ، خضع
لنفس ( الحِسبة ) التقاعدية لأصحاب الرواتب التقاعدية المتواضعة . وإلا حسد يعني ؟
أنا أُبارك لهم ، وصحة على قلوبهم ، ما دام الأمر قانونياً .
وتمت
معالجة الأمر قبل سنوات عندما تم تحديد سقف أعلى للراتب ( الخاضع ) للضمان ، كما
تم تحديد ( سقف أعلى ) للراتب التقاعدي .
مشكلة
مؤسسة الضمان الإجتماعي ، لم تكن في إداراته أبداً . لأنها كانت إدارات كفؤة
وناجحة . كما ان مشكلة الضمان لم تكن في بضع عشرات من الأشخاص يتقاضون رواتب
تقاعدية عالية ابداً .
بكل
صراحة ، ووضوح ، مشكلة مؤسسة الضمان الإجتماعي ، تنحصر تحديداً في سببين ، لا ثالث
لهما ، وهما :—
١ )) السبب الأول : — إقتراض الحكومات المتعاقبة السابقة
لمبلغ ( ١٠,٦ ) مليار دينار ، وهذا مبلغ كبير جداً ، ولو حصل ذلك في
أية مؤسسة أخرى لأنهارت تماماً .
٢ )) والسبب الثاني :— ضغط الحكومات الأردنية على إدارات
مؤسسة الضمان الإجتماعي للمساهمة في مشاريع معروف مسبقاً أنها فاشلة قبل تأسيسها ،
لأنها تمت بأسلوب الفزعات ، وغالبيتها أُنشأت دون إعداد دراسات جدوى إقتصادية
أصلاً .
ولنسأل
سؤالا بطريقة أخرى : لو لم تقترض الحكومات السابقة مبلغ ال ( ١٠,٦ ) مليار
دينار ، هل كانت مؤسسة الضمان الإجتماعي تعاني مما تعانيه الآن ؟ أُجيب وأقول :
طبعاً لا .
كانت
مؤسسة الضمان الإجتماعي ، مؤسسة ناجحة ، ورائدة ، وتتبع نهجاً علمياً في إدارة
شؤونها ، وكانت تُعِدّ الدراسات الإكتوارية بقدرات كادرها ، (( مثل الدكتور / محمد
الطراونة ، الذي يُعد خبيراً دولياً مرموق المستوى )) ، إضافة الى إستعانتها
بجهات خارجية متخصصة ، مشهود لها بالكفاءة ، حتى فقدت سيولتها النقدية ، فحصل
الإرتباك . ولعدم وجود جدول زمني لتسديد هذا المبلغ الضخم ، بل ولإنتفاء نية
السداد لدى الحكومات ، دخلت مؤسسة الضمان الإجتماعي نفقاً مُظلماً لن تخرج منه ،
ولن تعود لوضعها السابق مهما تذاكى المتذاكون للتعويض عن السداد بإجراءات قاسية
غيّرت الحِسبة التقاعدية ، وأصبحت مُجحفة بحق المشتركين . وأعتقد ان أول إنخفاض
ملحوظ ستشهده المؤسسة بعد تعديل قانونها ، سيكون في إنخفاض الإقبال على الإشتراك
الإختياري .
ما
تعانية مؤسسة الضمان الإجتماعي ليس من صُنعها ، وليس من أخطاء تراكمية من إداراتها
، مُطلقاً . المشكلة أتت من خارج المؤسسة ، وفُرضت عليها ، عندما إستُنزِفت
سيولتها النقدية الضخمة .
ما
حَلّ بمؤسسة الضمان الإجتماعي ينطبق عليه المثل الشعبي الذي يقول : (( أَم التوم ،
أصبحت لَجَبِهْ )) . ولجماعة الكورنفليكس نوضح المقصود بإيجازٍ شديد : يعني وضع
مؤسسة الضمان يشبه الشاة ( النعجة ) التي ولدت توأماً من الخِراف في الليل ، ولسبب
لا علاقة للأُم ( النعجة ) به أصبح عليها الصباح وقد فقدت توأمها . وهذا ما حدث
لمؤسسة الضمان الإجتماعي ، حيث أمست مؤسسة ناجحة ، ولديها سيولة نقدية تساوي
تماماً موازنة الوطن بأكمله . فأصبح الصباح عليها وقد خسرت سمعة إداراتها الناجحة
، كما خسرت سيولتها الضخمة ، التي تعادل موازنة الوطن بأكمله .
آااااااخ
يا زمان الشقلبة ، رحم الله ممثلنا القدير ، الذي كان مِنّا ، ويشبهنا الأستاذ /
نبيل المشيني ، ويا عمااااار على مسلسل ( حارة ابو عواد ) .

























