قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة
وائل منسي
حضرت بالأمس الندوة
المهمة التي عقدها معهد السياسة والمجتمع بعنوان «الانتخابات الأمريكية
والانعكاسات الإقليمية»، والتي أتاحت نقاشاً عميقاً حول ما يجري داخل الولايات
المتحدة، ليس فقط من زاوية الانتخابات المقبلة، وإنما من زاوية التحولات الاجتماعية والسياسية التي تتشكل تحت سطح
النظام الحزبي التقليدي.
وكان لحديث عماد
الرواشدة، الصحفي والخبير في الشأن الأمريكي ومراسل قناة العربي في واشنطن، أهمية
خاصة؛ إذ نادراً ما يجتمع في الصحفي المراسل هذا القدر من المتابعة الميدانية مع
التحليل السياسي والرصد العميق لتحولات المجتمع الأمريكي.
ما لفتني في النقاش أن
قراءة أمريكا اليوم لا يمكن أن تتوقف عند ثنائية الديمقراطيين والجمهوريين، ولا
عند ظاهرة ترامب وحدها.
فهناك تحول اجتماعي
أعمق يتشكل تدريجياً، ويمكن رصد جذوره منذ الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق،
مروراً بالأزمة المالية العالمية وأزمة الرهن العقاري، وصولاً إلى احتجاجات «وول
ستريت» وتراجع الطبقة الوسطى وشعور قطاعات واسعة بأن النظام الاقتصادي والسياسي لم
يعد يعمل لمصلحتها.
في تلك اللحظة برز
باراك أوباما بوصفه أملاً بالتغيير واستعادة مكانة الطبقة الوسطى، قبل أن تصطدم
قطاعات من المجتمع بسياسات إدارته تجاه الأزمة الاقتصادية، خصوصاً ما اعتُبر
إنقاذاً للمؤسسات والشركات الكبرى أكثر من معالجة جذور الأزمة الاجتماعية.
ومن هنا يمكن فهم صعود
بيرني ساندرز داخل الحزب الديمقراطي، بالتوازي مع صعود دونالد ترامب خارج المؤسسة
الجمهورية التقليدية. ورغم اختلاف المشروعين جذرياً، فإن كليهما عبّر، بطريقته، عن
رفض قطاعات من المجتمع الأمريكي للنخبة السياسية والاقتصادية التقليدية.
والأهم اليوم هو أن ظواهر
مثل ساندرز، وزهران ممداني، وعبدول السيد ليست بالضرورة ظواهر منفصلة أو عابرة؛ بل
يمكن النظر إليها باعتبارها مؤشرات على انتقال سياسي وجيلي أوسع، يبحث عن تعريف
جديد للعلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، وعن قضايا العدالة الاجتماعية وعدم
المساواة وتمثيل الأجيال الجديدة.
وهنا تحديداً تأتي
أهمية اهتمامي بالحركات والتيارات الاجتماعية. فالتحول الأمريكي المحتمل لا يبدو
في صورته الحالية كولادة حزب جديد بقدر ما يبدو كإعادة تشكيل تدريجية للمجتمع
السياسي من خارج القوالب الحزبية التقليدية. وربما يحتاج هذا التحول إلى عقد أو
أكثر قبل أن يتحول إلى قوة سياسية منظمة قادرة على إعادة تعريف موازين السلطة.
وتزداد أهمية هذا
التحول مع الفجوة الجيلية والجندرية الواضحة لدى الأجيال الأصغر، وخصوصاً طلاب
الجامعات والشباب الذين أصبحوا أكثر حضوراً في الاحتجاجات والنقاشات المتعلقة
بالحرب على غزة. فقد ساهمت الحرب في إعادة طرح الأسئلة الأخلاقية والسياسية حول
السياسة الخارجية الأمريكية، كما جعل نقد سياسات إسرائيل أكثر حضوراً في المجال
العام، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بالنسبة إلى قطاعات واسعة
من الشباب مصدراً أكثر تأثيراً من الإعلام التقليدي.
حتى داخل اليمين
الأمريكي نفسه بدأت تظهر مراجعات. فصعود شخصيات مثل تاكر كارلسون وتأثيرها
المتزايد على جمهور«MAGA» يعكس أن الخلاف حول
السياسة الخارجية، ودعم إسرائيل تحديداً، لم يعد محصوراً في اليسار الأمريكي، بل
أصبح جزءاً من نقاش داخلي أوسع حول مصالح الولايات المتحدة وأولوياتها.
أما على مستوى السياسة
الخارجية، فتبدو المرحلة الحالية مختلفة عن النمط التقليدي الذي كانت فيه القرارات
الكبرى نتاج توازن بين الرئيس ومستشاري الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون
ومراكز الفكر.
فقد أصبحت شخصية الرئيس، وخصوصاً في عهد ترامب،
أكثر مركزية في صناعة القرار الخارجي، ما يعني أن نتائج الانتخابات النصفية قد
تؤثر في قدرة الرئيس على تمرير أجندته داخلياً، لكنها لا تعني بالضرورة انتقال
السيطرة على السياسة الخارجية من البيت الأبيض إلى الكونغرس.
ومع ذلك، فإن قدرة
الرئيس ليست مطلقة. فالحروب، وأسعار الطاقة، والتضخم، وكلفة الأسمدة، والتنافس
الاقتصادي والتكنولوجي مع الصين، كلها تعود في النهاية إلى الداخل الأمريكي، وتؤثر
في الناخبين، بما في ذلك المزارعين والطبقات الوسطى والولايات التي تشكل خزانات
انتخابية مهمة للجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء.
وهنا تكمن المفارقة:
السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت أكثر ارتباطاً بالسياسة الداخلية من أي وقت مضى.
فكل حرب خارجية يمكن أن تتحول إلى سعر أعلى في محطة الوقود، أو فاتورة أكبر
للمزارع، أو تضخم إضافي للأسرة الأمريكية، وبالتالي إلى صوت انتخابي.
لذلك فإن قراءة
الانتخابات الأمريكية المقبلة يجب ألا تقتصر على سؤال: من سيسيطر على مجلس النواب
أو مجلس الشيوخ؟ بل يجب أن تمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: أي أمريكا ستخرج من هذه
المرحلة؟
أمريكا الحزبية
التقليدية؟ أم أمريكا جديدة تعيد تشكيل نفسها عبر حركات اجتماعية، وتحولات جيلية،
وشبكات رقمية، وتيارات سياسية تتجاوز الحدود القديمة بين اليمين واليسار؟
في تقديري، التغيير في
أمريكا قادم، لكنه لن يكون انقلاباً سياسياً مفاجئاً؛ بل تحولاً تدريجياً في بنية
المجتمع السياسي نفسه. وقد نحتاج إلى 10–15 عاماً حتى تتبلور هذه التحولات في صورة
سياسية أكثر تنظيماً وقوة.
ولهذا كانت الندوة مهمة
بالنسبة لي؛ لأنها لم تناقش الانتخابات الأمريكية باعتبارها حدثاً انتخابياً
منفصلاً، بل فتحت نافذة على التحولات العميقة التي تجري داخل المجتمع الأمريكي،
وهي تحولات تستحق المتابعة أيضاً في الأردن والعالم العربي، خصوصاً ونحن نشهد نحن
كذلك صعود الحركات والتيارات الاجتماعية، وتراجع جاذبية الأشكال السياسية
التقليدية، وظهور جيل جديد يريد أن يكون شريكاً في صناعة القرار، لا مجرد جمهور في
موسم الانتخابات.
كما أن استمرار مؤسسات
التفكير والحوار، مثل معهد السياسة والمجتمع، في تنظيم هذه النقاشات يمثل قيمة
مضافة للمجال العام الأردني؛ لأنها تتيح قراءة التحولات الدولية من منظور نقدي
وتحليلي، وتساعد الأجيال الجديدة وصانع القرار والمهتمين بالشأن العام على فهم
العالم لا كما يبدو على شاشات الأخبار، بل كما يتشكل فعلياً من تحت السطح.

























