مفارقة الخطاب والواقع: سامي أبو شحادة في عين العاصفة
د حيدر البستنجي
في البحث عن المصداقية
وتجنب اوهام الشعبوية ، يجب ان يبقى سلوك السياسيين بلا استثناء خاضعاً
لمجهر التحليل البنيوي الذي يفكك المسافة الفاصلة بين راديكالية الشعار وبراغماتية
الممارسة، تقدم الحالة الأخيرة للسياسي الفلسطيني في الداخل، سامي أبو شحادة، وأداءه
الشاحب أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، مادة خصبة و تجسيدا حيا
ل"مأزق الخطاب" حين يصطدم بجدار المؤسسة القانونية ، حيث يغادر حالة
الرومانسية الثورية ليصطدم بالواقع ، الحسابات الباردة للموازين
الجيوسياسية، المستقبل السياسي والثبات على الموقف . هنا بالذات نستذكر
الفيلسوف الإيطالي ميكيافيلي ومقولته الشهيرة أن الفاعل السياسي مستعد
لتغيير أقنعته لحماية بقائه.
يغادر سامي ابو شحادة
"خطاب التعبئة الجماهيرية"، الذي يتغذى على العاطفة في المحكمة، لكنه
لحظتها سيعاني من "انفصام معرفي كامل "؛ لأنه كان في الشارع يستدعي
أدوات "المقاومة المطلقة" التي يقوم بها الآخرون والتضحية التي يقدمها
الآخرون ويمجدها بينما هو هنا يمارس العمل السياسي تحت سقف
"المؤسسة القانونية " للدولة التي يرفض شرعيتها، و عند الاقتراب من دفع
الضريبة القانونية تسقط الشعبوية أمام حقائق القانون والقوة ، ذلك التحول
الخاطف داخل أروقة المحكمة العليا واضح ، ففي غضون "دقيقة و35
ثانية"، تراجع الخطاب الصارم ليحل محله اعتراف بالحقوق القومية للآخر وإدانة
صريحة للوسائل المسلحة والعنف ، هنا، بدت التنازلات اللغوية أمام القاضي كآلية
دفاعية غريزية لتجنب "الضريبة الحقيقية" (فقدان المقعد النيابي،
الامتيازات السياسية، أو حتى خطر السجن بموجب قوانين مكافحة الإرهاب) . و إذا
أردنا قراءة المشهد بإنصاف يمكن العودة إلى أفكار غرامشي وإدوارد سعيد، حول
سلوك أبو شحادة الذي يعكس أزمة أعمق يعيشها "المثقف أو السياسي
العربي" داخل إسرائيل، وأن نواب عرب الداخل يعيشون تناقضاً بنيوياً؛
فهم مجبرون على استخدام أدوات ومحاكم الدولة التي ينتقدونها للبقاء في المشهد ،
مما يجعل "الخطاب المزدوج" (راديكالي في الشارع، براغماتي في المحكمة)
نتاجاً حتمياً لهذه الوضعية المعقدة، كما يمكننا ببساطة شديدة فهم هذا
السلوك كمناورة تكتيكية لحماية الوجود الشخصي و الكيان الحزبي (حزب التجمع)
من الشطب والإقصاء الممنهج أو " تقية سياسية " بشكل او بآخر.
لقد تمت محاكمته بناء
على مقال نشر في الثامن من اكتوبر اي يوم واحد بعد الطوفان والأمور لم تكن واضحة
بعد ؛ تضمنت مقالته سبع ملاحظات على شكل فقرات كلها يمكن الدفاع عنها وتعتبر
موقفا مفهوما حتى في أوساط اليسار الاسرائيلي بإستثناء الفقرة الثالثة والتي
يمكن قراءتها ضمنياً من زوايا القبول بالطوفان حيث يقول "في حال
توفّرت الإرادة، وتنظّمنا بالشكل الصحيح، وأكثر من ذلك، إذا استطاعت غزّة الصغيرة
والمحاصرة أن تقوم بذلك، وعلى هذا المستوى، فغيرها يستطيع أن يقوم بذلك بشكل أنجع
وأبسط" ربما كان عليه ان يدافع عن ملاحظاته بقوة ويخوض حوار قانوني حول
الملاحظات واحدة واحدة باستثناء هذه الملاحظة الثالثة والتي يمكن ترك المحامين
يناقشون حيثياتها وتأويلها بل وحتى نفيها والإعلان الصريح بنبذ العنف من كل
الأطراف
موقف سامي ابو
شحادة في المحكمة يعيد إلى السطح اسئلة جوهرية : هل يمكن لبناء
سياسي أن يكتسب مصداقية تاريخية إذا كان قادته يرفعون سقف التوقعات
والشعارات للجمهور، ثم يلوذون بالصياغات القانونية المرنة عند أول بادرة للمساءلة؟
ألا يتطلب الوعي السياسي الحقيقي تلاؤماً بين القول والفعل؟ واذا لم يقو
الفكر على الصمود أمام الأمر الواقع ، فهل يمكنه قيادة شارع يبحث عن الخلاص وسط
أمواج الأزمات العاتية؟















