الباب الذي لم يُفتح ... دموع إدوارد سعيد ودموع جدي
جودت مناع
لم أنسَ يوماً ما رواه
لي البروفيسور إدوارد سعيد في القدس عام 1990، خلال مقابلة صحفية أجريتها معه في
فندق «الأمريكان كولوني».
كان سعيد قد عاد إلى
القدس بعد غياب طويل. لم تكن عودته مجرد عودة إلى مدينة، بل كانت عودة إلى بيت
الطفولة، إلى المكان الذي ظل يحمله معه طوال سنوات المنفى.
حين غادر القدس طفلاً،
لم يكن يعرف أن المدن يمكن أن تصبح بعيدة إلى هذا الحد. كان يظن أن البيت يبقى في
مكانه، وأن الشوارع لا تنسى أسماء أصحابها، وأن الباب الذي تركه خلفه سيظل يعرف
يده إذا عاد إليه يوماً.
كان الطفل يظن أن
العالم أكثر بساطة.
ثم كبر. وعاش بعيداً.
وحمل القدس معه سنوات
طويلة، حتى صارت جزءاً من ذاكرته ومن كتابته ومن نظرته إلى المنفى والاقتلاع
والعودة.
وحين عاد، لم يكن يبحث
عن مدينة. كان يبحث عن بيت.
ذهب إلى الطالبية ووقف
أمام البيت الذي عرفه طفلاً. كان المكان مألوفاً وغريباً في الوقت نفسه. أشياء كثيرة
لا تحتاج إلى الذاكرة كي نتعرف إليها: شكل الطريق، موقع البوابة، ملامح المكان،
وربما ذلك الإحساس الغامض الذي لا اسم له، حين يجد الإنسان نفسه فجأة أمام جزء من
حياته ظن أنه فقده إلى الأبد.
قرع الجرس. انتظر.
أمام البوابة المغلقة.
كان في الداخل مستوطن
لم يكن يعرفه. جاء إلى البوابة.
طلب سعيد أن يدخل. قال
إنه وُلد هنا، وإنه عاش في هذا البيت، وإنه يريد فقط أن يراه.
لكن البوابة لم تفتح له
كما كان يتمنى.
بقي خارج البيت. ينظر
إلى واجهاته الخارجية. ثم عاد إلى الفندق.
وحين دخل إلى اللقاء
الصحفي، لم يكن الرجل الذي أمامي هو نفسه الرجل الذي كنت أنتظره.
كان يبكي.
لم يكن بكاؤه صاخباً.
كان بكاءً هادئاً، عميقاً، كأن الرجل يحاول أن يخفي دموعه حتى عن نفسه.
لم أسأله في البداية.
جلس أمامي، وكانت
القدس، في تلك اللحظة، جالسة بيننا.
ثم حكى لي عن البيت،
وعن عودته، وعن الباب، وعن رغبته في الدخول، وعن الألم الذي شعر به وهو يقف أمام
المكان الذي كان بيته.
لم يكن يبكي حجارة.
كان يبكي طفلاً.
طفلاً غادر البيت ذات
يوم، وظل ينتظر طوال عقود أن يعود الرجل الذي سيصبحه.
بقيت تلك القصة عالقة
في ذاكرتي سنوات طويلة.
ربما لأنني، بعد سنوات،
عشت تجربة تشبهها.
لكنني لم أكن هذه المرة
شاهداً على حزن رجل آخر.
كنت شاهداً على حزن جدي.
بعد 20 عاما من تهجير
عائلتنا من قرية زكريا، جنوب القدس، ذهبتُ برفقة جدي وعمي محمد لزيارة القرية التي
طُرد أهلها منها بعد نكبة 1948.
كنت يومها في السادسة
عشرة من عمري.
وكان جدي هو الذي يحمل
القرية في ذاكرته.
هو الذي يعرف الطريق.
هو الذي يعرف أين كان
البيت، وأين كانت الأرض، وأين كانت الحياة التي سبقت الرحيل.
عندما وصلنا إلى مدخل
زكريا، اقترب منا مستوطن كان يقيم هناك وسألنا:
— من أنتم؟ ولماذا جئتم إلى هذه القرية؟
أجبناه:
— نحن من أهل زكريا. طُردنا منها عام 1948، وجئنا
لنرى بيوتنا.
وعلى خلاف ما حدث مع
إدوارد سعيد في روايته لي، لم يمنعنا المستوطن من التقدم.
قال:
— تفضلوا.
قد يكون هذا التصرف
لطلبنا الدخول إلى القرية وليس إلى البيت الذي يستوطن فيه. تبين لنا أنه من يهود
الأكراد العراقيين . ويبدو أنه يتفهم العادات والتقاليد العربية.
واصلنا السير.
حتى وصلنا إلى المكان
الذي كان فيه بيت العائلة.
هناك توقفت الرحلة.
لم يجد جدي البيت الذي
عاش فيه.
وجد الركام.
وجد آثاراً متناثرة من
زمن مضى.
جلس أمام المكان.
وساد الصمت.
كنت في السادسة عشرة،
أقف إلى جانبه، ولم أكن أملك الكلمات التي يمكن أن تواسي رجلاً عاد إلى المكان
الذي عاش فيه طفلاً وشاباً، فلم يجد بيته.
ثم انفجر جدي بالبكاء.
لم يكن يبكي حجارة
مهدمة فقط.
كان يبكي حياة كاملة.
طفولته.
بيته.
أرضه.
جيرانه.
أيامه الأولى.
وقرية كاملة بقيت حاضرة
في ذاكرته، حتى بعدما مُحي الكثير من آثارها من المكان.
في تلك اللحظة تذكرت
جدي خلال مقابلتي لإدوارد سعيد.
تذكرت جدي الذي جلس فوق
ركام بيته وأمامي رجل آخر في فندق «الأمريكان كولوني» وهو يبكي لأنه عاد إلى بيته
ولم يستطع أن يستعيده.
وفهمت أن التجربتين،
رغم اختلافهما، تلتقيان في شيء عميق.
سعيد وقف أمام بيت ما
زال قائماً، لكن الباب لم يُفتح له.
أما جدي، فوقف أمام
مكان لم يعد البيت فيه قائماً أصلاً.
كان هناك باب في قصة
سعيد.
أما في قصة جدي، فلم
يبقَ الباب.
ومع ذلك كان كلاهما
أمام الشيء نفسه: بيت لا يستطيع صاحبه أن يستعيده.
هناك فرق آخر ظل يؤلمني
كلما تذكرت القصتين.
إدوارد سعيد خرج من تلك
الزيارة حزيناً.
وظل ذلك الحزن يعيش معه.
حمل جرح البيت والعودة
والمنفى بقية حياته، وواصل الكتابة والتدريس والكلام عن فلسطين والاقتلاع والذاكرة.
أما جدي، فلم يمضِ على
عودته إلى زكريا سوى أيام قليلة حتى توفي في مخيم الدهيشة للاجئين.
ظلت العائلة تربط بين
تلك الرحلة الأخيرة وبين الصدمة العاطفية العميقة التي أصابته عندما رأى، بعد أكثر
من عشرين عاماً من التهجير، المكان الذي كان فيه بيته.
كان الفرق بين الرجلين
قاسياً.
إدوارد سعيد عاد إلى
بيته، ولم يستطع الدخول، ثم عاد إلى حياته حاملاً حزنه.
أما جدي فعاد إلى بيته،
فلم يجد بيتاً يدخل إليه، ثم عاد إلى مخيم اللاجئين حاملاً حزنه الأخير.
سعيد بقي حياً بعد تلك
الزيارة، وإن ظل يحمل حزنها معه.
أما جدي، فلم يمهله
الزمن طويلاً.
كأن زيارة زكريا كانت
بالنسبة إليه الزيارة الأخيرة إلى حياته الأولى.
كنت يومها في السادسة
عشرة.
لم أفهم تماماً معنى
دموع جدي.
كنت أرى رجلاً يبكي
أمام ركام، ولم أعرف أنني كنت أشاهد شيئاً أكبر من ركام بيت.
كنت أشاهد ذاكرة رجل
وهي تواجه المكان الذي بقيت تسكنه طوال سنوات الغياب.
واليوم، حين أتذكر ذلك
المشهد، أعود أيضاً إلى إدوارد سعيد.
أعود إلى ذلك اللقاء
القديم في «الأمريكان كولوني».
أرى سعيداً أمامي،
حزيناً، يحكي عن بيته. وكيف منعه المستوطن من دخول بيته.
ثم أرى جدي، في زكريا،
جالساً أمام أنقاض بيته.
بين الرجلين أكثر من
جيل.
وبين التجربتين أكثر من
عشرين عاماً.
لكن الطفل الذي غادر
البيت كان حاضراً في كليهما.
إدوارد سعيد كان يحمل
في داخله الطفل الذي غادر الطالبية.
وجدي كان يحمل في داخله
الطفل الذي غادر زكريا.
الأول وقف أمام باب لم
يُفتح.
والثاني وقف أمام بيت
لم يعد له باب.
وربما لهذا بقيت
القصتان متداخلتين في ذاكرتي.
لأنني، وأنا في السادسة
عشرة، رأيت دموع جدي.
وبعد سنوات فهمت أنها
كانت تشبه دموع إدوارد سعيد.
لم يكن أحدهما يبكي
حجارة.
كانا يبكيان حق الإنسان
في أن يعود إلى المكان الذي بدأ فيه.
وكان الفرق المؤلم أن
سعيد عاش بعد عودته حاملاً حزنه معه، أما جدي فكانت عودته إلى زكريا، بالنسبة إلى
عائلتنا، آخر عودة.
عاد إلى المكان الذي
بدأ منه.
ثم رحل.
وبقي البيت.
أو ما بقي منه.
وبقيت الدموع.
وبقيت الحكاية.
وبقي السؤال الذي لا
يغلقه مرور الزمن:
ماذا يحدث للإنسان حين
يعود إلى بيته، فلا يجد البيت الذي ظل يحمله في قلبه طوال حياته؟
#زكريا #إدوارد_سعيد #القدس #جودت_مناع
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."





















