مؤشر الابتكار العالمي 2026
بقلم : فهد فايز العملة
الامين العام للشبكة
العربية للإبداع والابتكار
مستشار الدكتور طلال
ابو غزالة لشؤون الابتكار
لم يعد حضور العالم العربي في خريطة الابتكار
العالمي مجرد طموح أو شعار يُرفع في المؤتمرات والملتقيات؛ فنتائج مؤشر الابتكار
العالمي 2026 الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية «WIPO» تقدم مؤشرات واضحة على أن عددًا من الاقتصادات العربية بدأ يتحرك
بصورة ملموسة نحو بناء منظومات أكثر نضجًا للابتكار والمعرفة والتكنولوجيا.
وتكتسب نتائج هذا العام أهمية خاصة؛ ليس فقط
بسبب المراتب التي حققتها بعض الدول العربية، وإنما لأن الصورة العامة تكشف تحولًا
تدريجيًا في طريقة تعامل عدد من الدول العربية مع الابتكار باعتباره جزءًا من
مشروع التنمية والتحول الاقتصادي،
وليس مجرد نشاط علمي أو
تقني منفصل.
الإمارات... نموذج عربي
متقدم
يصعب الحديث عن المشهد العربي في مؤشر الابتكار
العالمي 2026 دون التوقف طويلًا أمام التجربة الإماراتية.
فالوصول إلى المرتبة 25 عالميًا ليس مجرد تقدم
رقمي، بل نتيجة لمسار طويل من الاستثمار في البنية التحتية، والتحول الرقمي،
والتعليم، وجذب المواهب، وتمويل الشركات الناشئة، والاستثمار الأجنبي،
والتكنولوجيا المتقدمة.
وتقدم التجربة الإماراتية درسًا عربيًا مهمًا:
الابتكار لا يُبنى بقطاع واحد، وإنما بمنظومة متكاملة تجمع الدولة والجامعة
والقطاع الخاص والاستثمار والمواهب والتكنولوجيا.
ومن هنا تأتي الإشادة المستحقة بالإمارات؛ ليس
فقط لأنها تتصدر عربيًا في هذا المؤشر، وإنما لأنها قدمت خلال السنوات الماضية
نموذجًا واضحًا في تحويل الابتكار إلى سياسات ومؤسسات ومشروعات
واستثمارات ومراكز جذب
عالمي.
السعودية وقطر
والكويت... صعود خليجي متسارع
إلى جانب الإمارات، تكشف النتائج عن مسار صاعد
في عدد من دول الخليج.
السعودية وصلت إلى المرتبة 42 عالميًا، وقطر إلى
المرتبة 47، فيما حققت الكويت قفزة مهمة لتصل إلى المرتبة 62. وتعكس هذه النتائج
توسعًا في التحول الرقمي والبنية التحتية والاقتصاد المعرفي والاستثمار في
التكنولوجيا.
ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من
بناء البيئة والبنية التحتية إلى إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والبراءات والشركات
العربية القادرة على
المنافسة عالميًا.
المغرب والأردن...
الابتكار لا يرتبط بحجم الاقتصاد
من أكثر ما يستحق التوقف في النتائج العربية
صعود المغرب إلى المرتبة 54 عالميًا، وهو أفضل ترتيب له تاريخيًا.
ويمثل المغرب نموذجًا مهمًا في توظيف التصاميم
الصناعية والأصول غير الملموسة والتصنيع عالي التقنية.
أما الأردن، الذي وصل إلى المرتبة 60 عالميًا،
فيتميز بقوة الإنتاج العلمي، ويبرز بوصفه مثالًا على أن رأس المال البشري والمعرفة
يمكن أن يصنعا أثرًا يتجاوز حجم الاقتصاد.
وهنا تظهر رسالة عربية بالغة الأهمية: ليس حجم
الاقتصاد وحده هو الذي
يصنع الابتكار.
مصر وتونس والجزائر...
إمكانات تحتاج إلى ربط المنظومة
تظهر نتائج مصر وتونس والجزائر تفاوتًا في
مستويات الأداء، لكنها تؤكد في الوقت ذاته وجود قدرات علمية وإبداعية عربية تحتاج
إلى مزيد من الربط بين البحث العلمي والقطاع الخاص والسوق والاستثمار.
وتقودنا هذه الصورة إلى جوهر القضية العربية:
المشكلة ليست دائمًا في غياب العقول أو الأفكار؛ وإنما في ضعف الحلقة التي تصل
الفكرة بالبحث، والبحث بالسوق، والسوق بالاستثمار، والاستثمار
بالتوسع العالمي.
من ترتيب الدول إلى
بناء منظومة عربية
وهنا تبرز أهمية الدور
الذي أخذت على عاتقها الشبكةالعربية للإبداع والابتكار، برؤية يقودها الدكتور طلال
ابو غزاله تقوم على أن العالم العربي لا يحتاج فقط إلى مؤسسات تتحدث عن الابتكار،
وإنما إلى منظومة عربية تساعد على ربط المبدعين والمبتكرين بالمعرفة والمؤسسات
والأسواق والاستثمار وصناع القرار.
إن نتائج مؤشر 2026
تؤكد أن المنطقة العربية تمتلك عناصر متفرقة ومهمة لمنظومة ابتكار حقيقية: دول
تمتلك بنية تحتية متقدمة، ودول تتقدم في التحول الرقمي، ودول لديها قاعدة علمية
وبحثية قوية، ودول تتقدم في الملكية الفكرية والتصاميم الصناعية، ودول تجذب
الاستثمار ورأس المال والمواهب، وشريحة واسعة من الشباب العربي تمتلك قدرات
إبداعية وريادية هائلة.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في جمع هذه العناصر
داخل منظومة عربية أكثر تكاملًا.
من المنافسة العربية
إلى التكامل العربي
المؤشر العالمي لا ينبغي أن يدفع الدول العربية
فقط إلى التنافس على المراتب، بل إلى التساؤل عن كيفية رفع مستوى المنطقة بأكملها.
فالنجاح الإماراتي يمكن أن يقدم خبرة عربية
قابلة للدراسة والاستفادة، والتجربة السعودية تحمل دروسًا مهمة في التحول الرقمي
والاستثمار، والمغرب يقدم نموذجًا في التصنيع والتصاميم والملكية الفكرية، والأردن
يبرز قوة المعرفة والإنتاج العلمي، ومصر تمتلك قاعدة بشرية وعلمية وسوقًا واسعًا.
تكامل هذه الخبرات هو ما يمكن أن يصنع منظومة
عربية للابتكار.
المرحلة القادمة: من
«مدخلات الابتكار» إلى «أثر الابتكار»
لقد قطعت بعض الدول العربية شوطًا مهمًا في
تهيئة البيئة: البنية التحتية، التكنولوجيا، التشريعات، التعليم، الاستثمار،
الحكومة الرقمية، وتمويل الشركات الناشئة.
لكن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة المخرجات
والأثر: كم براءة اختراع عربية تصل إلى السوق؟ كم شركة عربية تتحول من شركة ناشئة
إلى شركة تكنولوجية عالمية؟ كم جامعة عربية تتحول إلى مركز لإنتاج المعرفة وليس
فقط نقلها؟ وكم ابتكارًا عربيًا يتحول إلى منتج وخدمة وصناعة؟
هذه الأسئلة، أكثر من مجرد ترتيب سنوي، هي التي
ستحدد موقع العالم العربي في اقتصاد المعرفة خلال العقد القادم.
العرب يتقدمون...
والمرحلة المقبلة تتطلب طموحًا أكبر
تكشف نتائج مؤشر الابتكار العالمي 2026 عن حقيقة
إيجابية ينبغي البناء عليها: العالم العربي ليس خارج سباق الابتكار.
بل إن مجموعة من الاقتصادات العربية تتحرك إلى
الأمام، وبعضها يتحرك بسرعة واضحة. والإمارات العربية المتحدة تستحق في هذا السياق
إشادة خاصة بوصفها التجربة العربية التي وصلت هذا العام إلى عتبة أفضل 25 اقتصادًا
ابتكاريًا في العالم، بينما تؤكد تجارب السعودية وقطر والكويت والمغرب والأردن
وتونس ومصر وغيرها أن هناك أكثر من مسار عربي يمكن أن يقود إلى الابتكار.
لكن الاحتفاء بالتقدم يجب أن يكون بداية لا
نهاية.
فالمرتبة ليست الهدف؛ الأثر هو الهدف.
والابتكار ليس سباقًا بين الدول العربية، وإنما
فرصة لأن تتحول طاقات الأمة العربية العلمية والإبداعية إلى اقتصاد ومعرفة وصناعة
وحلول وفرص عمل وتنمية مستدامة.
وهنا تأتي أهمية الرؤية التي تحملها الشبكة
العربية للإبداع والابتكار بقيادة الدكتور طلال: أن يكون الابتكار العربي جسرًا
للتكامل، ومنصة لتحويل الأفكار إلى قيمة، والطاقات إلى مشاريع، والمشاريع إلى أثر،
والنجاحات الوطنية إلى إنجاز عربي مشترك.
لقد بدأ العرب بالصعود على سلم الابتكار العالمي.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا الآن ليس: أين
وصلنا؟ بل: إلى أين يمكن أن نصل إذا عملنا معًا؟





















