شريط الأخبار
ولي العهد يلتقي المستشار النمساوي ويؤكد أهمية تبادل الخبرات ولي العهد يبحث مع رئيسة البنك الأوروبي للاستثمار توسيع التعاون ولي العهد يبحث مع ملك بلجيكا التطورات في المنطقة المطلوب للجنائية الدولية.. نتنياهو يوافق على الانضمام لمجلس السلام الاردن ومصر وقطر والامارات والسعودية وتركيا والباكستان واندونيسيا تعلن الانضمام لمجلس سلام ترامب كسر عظم بين اوروبا وامريكا: ترامب يصر على جرينلاند.. ورئيسية المفوضية تحذر تحذر من "دوامة خطيرة نحو الأسفل" على خطى الضمور.. عائلة الصرايرة ترفض استقبال السفير الامريكي للتعزية أوروبا وروسيا: تحذير التاريخ والحاجة الملحّة لإنهاء حرب لم يعد العالم قادرًا على تحمّلها انطلاق أعمال ملتقى الأعمال السعودي الأردني في الرياض المياه : ضبط اعتداءات على خطوط المياه وبيع صهاريج مخالفة وفاة طفلين واصابة 3 اشخاص بحريق شقة بالجوفة مندوبا عن الملك .. ولي العهد يشارك بأعمال منتدى دافوس وزير الخارجية التونسي ينقل رسالة إلى الملك "صناعة عمان" تبحث تعزيز تواجد المنتجات الوطنية في أسواق "الاستهلاكية العسكرية" العيسوي: الأردن بقيادته الهاشمية نموذج للاستقرار والدفاع عن الحق الحاج توفيق: العلاقة الأردنية السعودية إرث من الثقة والتكامل يُترجم اليوم إلى شراكة اقتصادية يقودها القطاع الخاص المواصفات والمقاييس: فحص أكثر من 200 ألف أسطوانة غاز بلاستيكية الذهب محليًا يقفز لأكثر من دينارين .. وغرام 21 يتجاوز 98 دينارًا القبض على مرتبطين بعصابات إقليمية لتهريب المخدرات .. وضبط 120 ألف حبة عندما توفي المعزب وأُكرم الضيوف: (هظول إحنا) .. الأردنيين

أوروبا وروسيا: تحذير التاريخ والحاجة الملحّة لإنهاء حرب لم يعد العالم قادرًا على تحمّلها

أوروبا وروسيا: تحذير التاريخ والحاجة الملحّة لإنهاء حرب لم يعد العالم قادرًا على تحمّلها


 

بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد

مستشار الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع

يحمل التاريخ الأوروبي درسًا تكرّر مرارًا، وكان ثمنه في كل مرة باهظًا. فالمواجهة الطويلة مع روسيا نادرًا ما جلبت الاستقرار لأوروبا، بل أعادت تشكيل القارة عبر الدمار والاستنزاف واختلال التوازنات الاستراتيجية. هذه ليست قراءة أيديولوجية، ولا دفاعًا عن سياسات أي طرف، بل ملاحظة تاريخية وجيوسياسية تستوجب وقفة تأمل جادة في لحظتنا الراهنة.

مرّتان في التاريخ الحديث تقدّمت أوروبا شرقًا وهي مقتنعة بأن التفوق العسكري كفيل بفرض الاستسلام. ومرّتين دفعت أوروبا الثمن.

في عام 1812، قاد نابليون بونابرت «الجيش الكبير» إلى عمق الأراضي الروسية، معتقدًا أن السرعة، والأعداد، والتنظيم ستكون كافية لحسم المعركة. إلا أن الجغرافيا، والمناخ، والعمق الاستراتيجي، والقدرة على الصمود، أسقطت أحد أقوى الجيوش التي عرفتها أوروبا. وكان الانسحاب الكارثي بداية أفول هيمنة نابليون، ونقطة تحول مفصلية في تاريخ أوروبا.

وبعد أكثر من قرن، تكرّر الدرس بصورة أكثر دموية. ففي عام 1941، فتح أدولف هتلر الجبهة الشرقية، لتتحول إلى أكثر مسارح الحرب العالمية الثانية فتكًا. وقد حُسمت هزيمة ألمانيا النازية هناك، بكلفة بشرية لا يمكن تصورها. خرجت أوروبا منتصرة، لكنها كانت مدمَّرة، ومنقسمة، ومعتمدة لعقود على مظلات أمنية خارجية.

هذه الحقائق التاريخية لا تمجّد الحرب، ولا تُضفي شرعية على العدوان، لكنها تؤكد حقيقة استراتيجية أساسية: روسيا ليست فاعلًا هامشيًا في معادلة الأمن الأوروبي. ومحاولات عزلها أو كسرها أو الدخول معها في مواجهة دائمة كانت، في كل مرة، عامل زعزعة لأوروبا نفسها.

الجغرافيا لا يمكن إلغاؤها

تتقاسم أوروبا وروسيا الجغرافيا، وشبكات الطاقة، ومسارات التجارة، والمخاطر الأمنية، والتعرض الاستراتيجي. هذه ليست خيارات سياسية، بل حقائق بنيوية لا تمحوها العقوبات ولا الخطابات ولا اصطفافات التحالفات.

تاريخيًا، كان أمن أوروبا أقوى ليس عندما أُهينت روسيا أو حوصرت، بل عندما وُجدت أطر وإن كانت غير مثالية لإدارة التنافس والتعاون والردع المتبادل. وحين انهارت تلك الأطر، دفعت أوروبا الثمن.

إعادة تقييم مهنية: من منظور إدارة المشاريع والأداء والمخاطر

عند إعادة تقييم هذه الحرب من خلال عدسات إدارة المشاريع، وإدارة الأداء، وإدارة المخاطر بدلًا من السرديات السياسية تكون النتيجة واضحة لا لبس فيها: هذا الصراع يمثل خسارة شاملة لجميع الأطراف.

من منظور إدارة المشاريع، تُظهر الحرب مؤشرات فشل كلاسيكية:

أهداف غير محددة أو متغيرة باستمرار

تمدد في النطاق دون حالة نهاية متفق عليها

تصاعد في التكاليف مقابل عوائد متناقصة

غياب استراتيجية خروج أو معايير إغلاق

أي مشروع تتضخم مدته، وتُستنزف موارده دون ضبط، وتغيب عنه مؤشرات النجاح، يُعد مشروعًا غير قابل للاستمرار، ويجب إيقافه أو إعادة هيكلته جذريًا. الاستمرار فيه يُعد إخلالًا جسيمًا بالحوكمة الرشيدة.

ومن زاوية إدارة الأداء، لا يستطيع أي طرف الادعاء بتحقيق نجاح حقيقي. فقد تضرر رأس المال البشري بصورة لا يمكن تعويضها، ودُمّرت البنى التحتية، وضعفت الاقتصادات، وتراجع مسار التنمية لعقود. مؤشرات الأداء النمو الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، والمرونة المؤسسية، ورفاه المواطنين تدهورت على نطاق شامل، ليس فقط لدى أطراف النزاع، بل في أوروبا والنظام العالمي ككل.

أما من منظور إدارة المخاطر، فالصورة أكثر خطورة. إذ انتقل الصراع من بيئة مخاطر يمكن احتواؤها إلى ملف مخاطر نظامية غير مقبولة، تتسم بـ:

مخاطر تصعيد تشمل قوى نووية

احتمالات سوء تقدير ومواجهات غير مقصودة

اضطرابات في أمن الطاقة والغذاء عالميًا

تفكك جيوسياسي طويل الأمد

في أي سجل مخاطر مهني، فإن هذا التراكم من المخاطر عالية الأثر ومنخفضة السيطرة يستوجب معالجة فورية عبر خفض التصعيد وإعادة التصميم الاستراتيجي لا الاستمرار.

بالمقاييس الموضوعية، تفشل هذه الحرب في كل اختبارات الإدارة المسؤولة. لا رابحين فيها، بل خسائر تتراكم.

حرب تجاوزت ساحة القتال

بعد قرابة أربع سنوات من الحرب الروسية–الأوكرانية، لم تعد آثارها محصورة داخل أوكرانيا. فقد اختلت أسواق الطاقة، وتزعزع الأمن الغذائي، وترسخت الضغوط التضخمية، وتعطلت سلاسل الإمداد، واستُنزفت المخزونات العسكرية. والأخطر من ذلك أن الحرب الطويلة طبّعت منطق التصعيد بين القوى الكبرى.

يُذكرنا التاريخ بأن الحروب العالمية لا تبدأ لأن القادة يسعون إلى دمار شامل، بل لأنها تنشأ عندما يُسمح للنزاعات الطويلة بالتوسع عبر منطق التحالفات، وسوء الحسابات، والوهم بإمكانية السيطرة الدائمة على التصعيد.

ولا دولة عاقلة ترغب في تكرار هذا المسار.

إنهاء الحرب ليس استسلامًا

الدعوة إلى إنهاء الحرب ليست ضعفًا، ولا تنازلًا أخلاقيًا. إنها اعتراف بحدود القوة. فالحروب التي تشمل قوى كبرى نادرًا ما تُحسم بنصر كامل؛ بل تنتهي عندما تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التسوية.

التفاوض لا يعني التخلي عن المبادئ، بل إعادة ترتيب الأولويات:

حياة الإنسان قبل الرمزية السياسية

الاستقرار قبل العقاب الدائم

بنية أمنية طويلة الأمد بدل تصعيد لا نهاية له

كلما طال أمد الحرب، ضاقت مساحة التسوية العقلانية، وارتفعت احتمالات الخطأ الكارثي.

مسؤولية أوروبا ومصلحتها الذاتية

أوروبا هي الأكثر تعرضًا للخسائر. فالحرب على أرضها، وبالقرب من حدودها، وتؤثر في اقتصادها، وتماسكها الاجتماعي، واستقلالها الاستراتيجي. ولا يمكن لأوروبا غارقة في مواجهة دائمة على خاصرتها الشرقية أن تدّعي المرونة أو التنافسية.

الدفع الجاد نحو حل سياسي لم يعد خيارًا أخلاقيًا تجاه الشعب الأوكراني فحسب، بل التزامًا تجاه أجيال أوروبا القادمة. لقد حان الوقت للانتقال من الخطاب إلى البنية، ومن استراتيجيات الصمود إلى استراتيجيات الخروج.

بين الحكمة وتكرار التاريخ

تقف أوروبا مرة أخرى عند مفترق طرق مألوف. طريق يقود إلى خفض التصعيد، والتفاوض، وسلام صعب لكنه ضروري. وطريق آخر يقود إلى صراع دائم مُطبّع، وتسارع في العسكرة، ومخاطر دائمة بأن يشعل خطأ واحد ما هو أخطر بكثير.

لقد سئم العالم هذه الحرب. ويشير التاريخ، والانضباط الإداري، ومنطق إدارة المخاطر، جميعها إلى النتيجة نفسها: الاستمرار في المسار الحالي يضمن خسائر إضافية، لا نصرًا.

إن العلاقات الجيدة بين أوروبا وروسيا لا تقوم على الثقة أو التعاطف، بل على الواقعية الاستراتيجية، والاستقرار، ورفض تكرار أخطر أخطاء التاريخ.