محمود حميدة.. اعترافات مواطن فاسد
تمارا خزوز *
لم أستثمر وقتًا في متابعة
الفنان المصري محمود حميدة ولا أعماله، وأنا متابعة نهمة للسينما والتلفزيون، إذ
كان يخيل إليّ أن وسامة الرجل وجاذبيته تُوظَّف من قبل السينما وصُنّاعها فقط
لإعادة إنتاج نسخة جديدة من العملاق رشدي أباظة. المفارقة أن مقتطفات صغيرة،
بدقائق مكثّفة على منصات التواصل الاجتماعي، نجحت في تقديم محمود حميدة للجمهور
كما لم يُقدّم من قبل.
أشهر هذه الوقفات على الإطلاق، مقطعٌ قصير من لقائه مع الفنانة القديرة
إسعاد يونس في برنامجها "صاحبة السعادة"، جرى اقتطاعه بذكاء وتحول
لاحقًا إلى "ترند". وفيه لخّص حميدة بدقيقة فلسفته الحياتية، وإن بدت في
ظاهرها سطحية فإنها تضرب في العمق: "ببساطة الحاجة اللي مش لازم أعرفها...
أعرفها ليه؟ وبعدين لو عرفتها حتثير أعصابي! وإذا أعصابي ثارت... صحتي حتبوظ!"
التوقف عند حميدة في "صاحبة السعادة" مردّه ليس فنيًا، بل
تسخينًا لما سيأتي لاحقًا. فالمقطع الأهم لحميدة كان في مقابلة بثّتها قناة
"مصر العربية" على يوتيوب في ذكرى ثورة ٢٥ يناير، شخّص فيها الثورة
وبدايتها ومراحلها الزمنية تشخيصًا دقيقًا عندما قال إن الأيام الثمانية عشر
الأولى فيها "أخرجت أنبل ما في المصريين". كلام غاية في الدقة لمن كان
شاهد صدق، لا زور، على تلك الأيام.
قابل حميدة هذا النبل الذي وصفه بنبلٍ أكبر، عندما رفض التواجد في
ميدان التحرير، وبرر ذلك بقوله: "الثورة دي مش بتاعتي، عشان أدّعي على مخاليق
ربنا إني أنا اللي عاملها... لا... دول عيالي اللي عاملين الثورة."
وأضاف كلامًا موجعًا؛ كلام أب يعي تمامًا معنى الأبوة الحقيقية، لا
تلك الوصائية: "إحنا ماكنّاش عارفين عيالنا... مانعرفش أحلامهم ولا آمالهم
ولا رؤاهم للعالم."
وأشار حميدة في المقابلة ذاتها إلى حديث صحفي يتيم أجراه بعد الثورة،
وبظني أنه تحدث فيه كـ "فنان برتبة سياسي" عندما قال: "أنا مش عايز أي
حد عَدّى الخمسين سنة في البلد دي يفتح بُقه... لأن اللي عَدّى الخمسين هو فاسد
بالضرورة!"
ثم أضاف: "أنا عشت ثورة عبد الناصر؛ هذه الثورة بذور الفساد
الاجتماعي والسياسي، اللي نمت في عصر السادات، وظلل شجرها علينا كمواطنين في عصر
مبارك، وقطفنا ثمارها وتنفسنا هواءها، ظنًا منا أننا صالحون."
الله!!! أربع دقائق فقط احتاجها حميدة ليُلخّص بصلابة معضلة
"المسكوت عنه" في مجتمعاتنا: "فساد المسؤول هو بالأصل فساد
مواطن"، المواطن المتواطئ؛ بائع الوهم أو الواهم، شريكٌ بالضرورة.
هذا الكلام ليس ثوريًا، بل يضرب في عمق مسألة الإصلاح؛ فالأنظمة
خُلقت لتحمي نفسها وبشراسة، يساندها دائمًا طبقة سياسية فاسدة، ومع الأسف، يتورط
المواطن في هذه المنظومة حين يصبح جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات التي تتضارب
فيها المصالح بين المجتمع والدولة، هي تشابكات في كل الاتجاهات تتشعب وتتقاطع
وتحافظ النخب السلطوية على تعقيداتها لتستمر في الحكم والخيوط في يدها.
يا ليت محمود حميدة نزل إلى ميدان التحرير زمن الثورة ليغادر التمثيل
إلى السياسة، فما حاجة التمثيل بسياسي بهذا الثقل، وما حاجة السياسة لممثلين!
لا يحتاج حميدة تكريمًا أو
تشريفًا على أيٍّ من أعماله الفنية؛ فيكفيه فقط تألّقه في "اعترافات مواطن
فاسد" على تلفزيون الواقع.
*نقلا عن منصة "نقطة"
























