الحرب على ايران، الكرامة والفلسفة : افكار للنقاش
د حيدر البستنجي
صواريخ الغرب التي تضرب
ايران الآن تغلق دائرة من التحولات السياسية الكامله عبر نصف قرن من التاريخ
الحديث، تكتمل الآن الدائرة ، بصورة لم يتخيّلها الخميني بالتأكيد وربما
الغرب ايضا، الذي دعم الشاه ضد مصدق ثمّ تفرّج على سقوط نظام الشاه على يد البازار
ورجال الحوزة ، لكي يعود الآن ليضرب وريثه في دائرة الصراع على المصالح لا
المبادئ والأفكار ، الأفكار التي حفرت عميقا دون ان تسبر غور منطقة لازالت حبلى
وتثير دهشة اعتى الفلاسفة .
سافر ميشيل فوكو
الفيلسوف والمثقف الفرنسي إلى طهران في سبتمبر1978 في عز الثورة
الإيرانية حين كانت الشوارع تغلي ضد الشاه متنكرا بزي مراسل صحفي لصحيفة
كورييري ديلا سيرا الإيطالية. كانت مهمته الأساسية ان يدرس الثورة من الداخل ان
يراقب لحظة تمزق سلطة الشاه ويحلل الجماهير ان يفهم ويناقش ما يجري في الشارع من
وجهة نظر فلسفية، لم يكن يبحث عن خبر صحفي بالمعنى التقليدي، بل عن عمق نزعة
التحرر وخيوطها وامتداداتها عن شيء أعمق مما خبره ودرسه في الثورات الأيدولوجية
الماركسية ، كان يحاول الإجابة على سؤال مركزي كبير كيف يمكن للجماهير ان تخرج
للشارع دون حزب سياسي ودون نظرية ثورية ودون نموذج جاهز ، كيف يمكن ان تتحالف
اطياف مختلفة متضاربة المصالح من اليمين واليسار في انتفاضة ذات صبغة روحانية
ثورية دون ان تكسر قيود المحافظة، كتب وحلل وسمّى ما يحدث في مقالة له ب «روحانية
سياسية»، هذا كما فهمه فوكو وقتها وكتب عنه "تحرك جماهيري تطهري يستمد وقوده
من تصوّر ديني للعدالة والكرامة، لا من مخطّطات التحرّر التي صاغتها الحداثة
الأوروبية".
قاده ذلك إلى البحث عن
الوقود الروحي للثورة فالتقى الخميني في منفاه قرب باريس، وكتب أنّ هذه الثورة لا
تشبه أيّ ثورة حديثة عرفها الغرب، لأنّها لا تبحث عن نظام سياسي بديل بقدر ما تبحث
عن أفق وجودي مختلف وعن ارث حضاري لم يندثر .
أثّرت التجربة
الإيرانية على الفيلسوف الفرنسي لدرجة انه نسي اساسيات المنهج العلمي في التحليل و
أُغرم فوكو بما رآه، فكتب معجبا بشعب يراهن بحياته على التغيير والبحث عن النجاة
بطريقة غير مسبوقة ولا مفهومة للعالم الغربي ولكنه يدخل في نطاق الهوي
الفلسفي وتجارب الحدّ عند نيتشه وتناقضات الإنسان وجنونه اي الفلسفة من موقع
السمو او النقيض .
هذا
الهوس والذي وجد له أصداء كبيرة في الغرب سرعان ما تبخر عندما بدأت الثورة تأكل
ابناءها بعد أسابيع من سقوط الشاه، بدأت الإعدامات والجلد العلني وفرض الحجاب
وتقييد حقوق المرأة والرقابة على المكتبات، عندما انقلب العامل البشري النفعي
المحض على الروحانية المحلقة ، هذا "الأفق الوجودي المختلف" والمتناقض ،
صار سجنًا وجوديًا بامتياز. انتقده مكسيم رودنسون وسيمون دو بوفوار وكتّاب وفلاسفة
إيرانيون كثر ، واتّهموه بالداء المزمن لطليعة اليسار الغربي: إسقاط أحلامه
النقدية على واقع لا يعرفه.

























