سردية اللجوء.. جودة مناع يكتب: الحاكورة التي زرعت وجعاً
كتب: جودت مناع *
آنذاك، لم أكن قد
تجاوزت السابعة عشرة من عمري حين وقفت أتأمل حاكورة بيتنا الخلفية الصغيرة في مخيم
الدهيشة، قرب بيت لحم، لسببين:
الأول، أن أتعرف إليها
جيداً قبل أن أزرع فيها سبع غرسات من الأشجار المثمرة، والثاني أن تستجيب الأرض
لرجائي فتنمو تلك الغرسات، لعلنا نقطف ثمارها يوماً ما، رغم تقاطع ذلك مع حلمي
الأكبر بالعودة إلى قريتنا زكريا، التي طُرد منها أجدادي وأبناؤهم إلى المخيم.
ولدت في إحدى خيامه،
وترعرعت فيه، وتعلمت في مدرسته، وكبرت مع وعيٍ صار رجلاً يعيش قصتين: حب الحاكورة
الصغيرة، وحب القرية السليبة التي تبعد 45 كيلومتراً عن مكاني. كنت أعيش انفصاماً
بين حاضر يقاوم، وماضٍ يشدني إليه تاريخ الأجداد.
وبعد أن تبادلت معها
ابتسامة صامتة، قررت أن أخلع عن رأسها الصرار اليابس لألبسها حلة من التربة
الرطبة. التقطت الحجارة المتناثرة وأرحتها من ثقلها، ثم وضعتها على شكل سور صغير
يحيط بها. تنفست الصعداء، ونفخت في كفيّ قبل أن أقبض بقوة على عصا الفأس الصدئة،
وأهوي بها على الأرض اليابسة، أقلب تربتها وأفتتها. كنت أتوقف أحياناً وأبتسم
للأرض، ظناً مني أنني أوجعتها.
تجاوزت الشمس منتصف
السماء فوق بيت عائلتنا الفقيرة، فاحتميت بظل ضئيل صنعه ارتفاع غرفةٍ شيدتها وكالة
الغوث "الأونروا"، ضمن مئات الوحدات السكنية التي أقيمت للاجئين الذين
حطوا رحالهم هنا في خمسينيات القرن الماضي (عشرة آلاف لاجئ)، بعد تهجيرهم من 46
قرية فلسطينية من وسط البلاد على يد العصابات الصهيونية.
كنت أكتفي بما يجفف عرق
جسدي المتعب ببنيته القوية، التي صنعتها الرياضة الشاقة ومنحتني الصبر وكثيراً من
الأصدقاء. بعدها، بدأت أحدد أماكن الحفر الصغيرة لغرس الأشجار، بمسافات متساوية.
وقبل أن أضع الجذور في
تلك الحفر، كان علينا أن نتقاسم شح المياه في بيتنا. سكبت الماء بحساب دقيق داخل
الحفر، ثم أنزلت الغرسات واحدة تلو الأخرى، وغطيتها بتراب لم يعتد حرارة الشمس
بعد. أضفت قليلاً من الماء حول أطرافها، بحذر مشروع من غضب أمي، التي كانت تنقل
صفائح الماء من "العين"، كما كانت نساء المخيم يسمينها، لتوفر لنا مياه
الشرب وطهي الطعام إن استطاعت.
وما إن انتهيت من زراعة
الأشجار حتى جلست مستنداً بظهري إلى حائط الغرفة. كنت متعباً، ولم أتناول طعام
الغداء بعد، لكن تأملي في تلك الشجيرات الصغيرة ملأ قلبي فرحاً، ورسم الابتسامة
على وجهي حتى اقتربت الشمس من المغيب.
في تلك اللحظات، حاول
التعب أن يغلبني، لكنني قاومته. فجأة سمعت صوت أمي يناديني:
* يا ابني، ارتاح شوي… بكفيك شغل.
- الحمد لله… خلصت زراعتها.
* طيب، تيجي نتغدى ولا أجيبلك الأكل عندك؟
- لا… ارتاحي إنتِ، هسّه باجي آخذ الصحن.
نهضت بهمّة عضلاتي
المتعبة، وأحضرت "الصحن" إلى الحاكورة، كما كنا نسميها آنذاك. بدأت
أقتطع قطعاً من رغيف ساخن خرج لتوه من الطابون، وأغمسها في حساء البندورة
بالباذنجان. ما أطيب طعامك يا أمي… غبتِ وغاب حنانك.
وحين انتهيت من الطعام،
رغم بساطة الوجبة وخلوها من الدسم، إلا أنها كانت عامرة بتعب أمي التي أنهكتها
الحياة وأوجاعها. نهضت متثاقلاً واتجهت إلى غرفتي. تمددت على فراش حُشي ببقايا
الملابس الرثة فوق سرير حديدي كان يزعجني باهتزازه الدائم. غفوت سريعاً، مستسلماً
لتعب يومٍ كامل.
وفجأة…
* بما… بما… اصحى! الجيش برّه الدار!
كانت الساعة تقترب
الثانية فجراً. أخبرتني أمي بذلك.
فتحت عيني على وجه أمي
القلق. لم أكن قد استسلمت للخوف بعد.
* مش فاهم… مين اللي برّه؟
- اليهود برّه… بدهم إياك.
نهضت بسرعة. استبدلت
الشورت القصير ببنطال طويل، وارتديت قميصاً كان معلقاً خلف الباب. خرجت، فإذا بعدة
جنود يحاصرون البيت من كل الجهات.
أمسك أحدهم بذراعي
اليسرى، واقتادني مع مجموعة من الجنود. وبعد أمتار قليلة، أوقفوني، قيدوا يدي
بالأصفاد، وعصبوا عيني بقطعة قماش، ثم دفعوني إلى داخل جيب عسكري.
كانت تلك بداية قصة
أخرى… قصة اعتقال استمر عدة أشهر.
لكن قصة
"الحاكورة" لم تنتهِ عند ذلك.
بعد سنوات، وتحديداً
قبل الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987، كما أحب أن أسميها لأنها كانت عظيمة
بحق، كان أبي يتردد كثيراً على الحاكورة. كبرت الأشجار، وكبرت معها أحلامي، لكن
الأمور سارت في اتجاه مختلف تماماً.
فوجئنا ذات يوم باعتقال
أبي. كان الحدث صادماً لنا بسبب كبر سنه وما عاناه في حياته من اعتقالات سابقة.
اتصل بي أحد الأصدقاء وأخبرني أن جيش الاحتلال يحاصر منزل والديّ في المخيم. غادرت
مكتبي في وكالة أنباء بيت لحم على الفور، لكنني وصلت بعد مغادرتهم.
سألت أمي عما جرى. كانت
متعبة، ودموعها تنهمر بغزارة، تزيد وجهها الجميل احمراراً، وعينيها الخضراوين
حزناً. قالت بصوت مرتجف إن الجنود أحضروا أبي إلى الحاكورة، وطلبوا منه أن يحفر في
المكان الذي كنت أحب الجلوس فيه، قرب ظل الغرفة.
هناك… استخرجوا عدداً
من القنابل اليدوية وقطعة سلاح.
وهكذا أُسدل الستار على
فصل جديد من المعاناة، انتهى باعتقال أبي خمس سنوات، بتهمة الانتماء إلى حركة
"فتح" وحيازة أسلحة.
وهنا ينطبق المثل
القائل: "فرخ البط عوام".
لكن الفارق كان كبيراً
بين زراعة الشجيرات وزراعة القنابل، رغم أن الحادثتين انتهتا بالاعتقال.
وفي البيت ذاته، اعتُقل
حفيده أيضاً، وانهال عليه جنود الاحتلال بالضرب. فهبّ شقيقه عمر غاضباً لإنقاذه من
التعذيب، فأطلق الجنود عليه سبع رصاصات سلبته حياته، ومنحه الله الشهادة.
امنح ارواحهم السلام يا
إلهي...
#صورة الشهيد #عمرـمناع
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























