إلى جنّات الخلد يا "هاتسو"!
د. كمال ميرزا
رحم الله الفنان القدير
"عبد الرحمن أبو زهرة" وأسكنه فسيح جنانه.
"أبو زهرة" قيمة فنيّة كبيرة لا تنتظر
اعترافاً أو تقديراً مني أو من أي شخص آخر.
قامة مسرحية شاهقة أيام
كان للمسرح هيبته، وقبل أن يكون للتلفزيون "شنّته ورنّته".
في وجدان القطاع الأوسع
من الجمهور الذين يعرفون "أبو زهرة"، فإنّه يرتبط لديهم بشخصية
"الحاج إبراهيم سردينة" التي أبدع في أدائها أيما إبداع في مسلسل
"لن أعيش في جلباب أبي".
وبالنسبة لعشّاق
السينما، كفنّ لا كتسلية، فهو يرتبط لديهم فيما يرتبط بأدائه الاستثنائيّ على
محدودية دوره في فيلم "أرض الخوف" إلى جانب الإمبراطور "أحمد زكي".
وربما الأجيال الأحدث
عمراً يذكرون حضوره المقتضب ولكن المهيب في الجزء الأول من فيلم "الجزيرة".
بالنسبة لعشّاق
المسلسلات الدينيّة، أيام كانت هذه المسلسلات تُنتَج لأسباب ليس لها علاقة
بالتجاذبات السياسية، والبروبوغندا، وبث الفتن، وتحريف التاريخ وحرف سرديته،
وتجيير الدين وتكييشه.. كيف يمكن لمشاهد أن ينسى أداء "أبو زهرة"
لشخصيّة "الحجّاج" في مسلسل "عمر بن عبد العزيز"؟!
بالنسبة لي، ولأبناء
جيلي، وبعيداً عن هذه المحطات والعلامات الدراميّة الهامة، فإن ارتباط "أبو
زهرة" في وجداننا يعود إلى مرحلة أبكر من تفتح الوعي، إلى نعومة أظفارنا، إلى
الطفولة المبكرة حيث كانت البراءة ما تزال تقيم فينا ونقيم فيها.
"أبو زهرة" في تلافيف
"النستولوجيا" الكامنة داخل صدور أبناء جيلي يرتبط بمسلسل "الفتى
برهان"، وشخصية "هاتسو" التي كان يؤديها بصوته، إلى جانب ثلّة من
الفنانين الكبار مثل الفنان القدير "سيد عزمي" رحمه الله، والفنانة
القديرة "إنعام سالوسة" أمدّ الله في عمرها وأسبغ عليها لباس الصحة
والعافية.
في تلك السنين التي
خلت، كانت الرسوم المتحركة، أو أفلام الكرتون كما نسمّيها، مسألة تربوية بحتة،
هدفها غرس القيم والأخلاق في نفوس النشء، وتهذيب طباعهم، وصقل ذائقتهم، والحفاظ
على سليقتهم، وتعزيز إحساسهم بلغتهم العربية الفصحى وجمالياتها وتوثيق انتمائهم
إليها وصلتهم بها.
أيامها كان الأطفال هم
"أحباب الله"، و"شباب الغد"، و"أمل المستقبل"..
وليسوا زبائن نريد أن نغرس فيهم التعلّق الماديّ والسعار الاستهلاكيّ وهم ما
يزالون في "الكوفليّة (القِماط).
طبعاً أقراننا في مصر
يحتفظون في ذاكرتهم بالعديد من برامج الأطفال للراحل "أبو زهرة" بما
يتجاوز كثيراً دوبلاج شخصيّة "هاتسو"، لكن نحن في الأردن لم تصلنا سوى
شخصيّة "هاتسو" التي أصبحت "أيقونيّة" بالنسبة لنا.
تخيّل، من رحمة الله،
ومن عظمة هذا الدين، أنّ أغنيّة للأطفال يغنيها فنان قد تكتب له صدقة جارية إلى
يوم الدين!
فلنقرأ الفاتحة لروح
الفنان الراحل "عبد الرحمن أبو زهرة"، ولندعُ له بما تيسّر، وبعدها
فلنغنِ معاً بصوت جماعيّ مقدمة "الفتى برهان" كي يناله أجرها:
من منكم ناداني الآن..
باسمي
"هاتسو" يا فتيان؟!
أنا الفتى برهان..
فقد عطستُ الآن!!
هاتسو.. هاتسو.. هاتسو..
في خدمتكم يا من عطسوا..
هاتسو.. هاتسو.. هاتسو..
وطبعاً أغنيّة الخاتمة
تسير على نفس منوال المقدمة، ولكن للمفارقة، عبارتها الأخيرة بصوت الفنان
"عبد الرحمن أبو زهرة" تقول:
نادوني باسمي ولا تنسوا..
لن ننساك يا عمو
"عبد الرحمن أبو زهرة"..
لن ننساك يا
"هاتسو"!
























