الصوت والصدى (6):
جيب المواطن كمرآة للسياسات العامة
جيب المواطن كمرآة
للسياسات العامة
د حيدر البستنجي
جيب المواطن—بالمفهوم
الاقتصادي والاجتماعي—ليس مجرد وعاء مالي عابر، بل هو المرآة الأصدق (Epistemic
Mirror) التي تنعكس عليها
البنية الحقيقية للسياسة العامة للدول. هنا، تتجرّد الشعارات من بلاغتها، وتتحول
الأيديولوجيات إلى أرقام صلبة تُحدد جودة الحياة، ومستوى الأمان، والقدرة على
التخطيط للمستقبل.
النقطة التي تلتقي فيها
النظريات السياسية الكبرى باللحظة الأكثر مادية ووجودية في حياة الإنسان
العادي وهي قدرته على البقاء . في هذه اللحظة بالذات، يختفي "مجتمع
الاستعراض" الذي تحدث عنه الفيلسوف غي ديبور (Guy Debord)،
حيث تحاول السلطة استبدال الواقع الحقيقي بصور بصرية وخطابات مضللة. هذا
الاستعراض يتهاوى حتماً عندما يصطدم بالواقع الرقمي والمادي الصعب؛ متمثلاً في
دخلنا ومصاريفنا اليومية ، فرص العمل وتكلفة الرعاية الصحية والتعليم، الضرائب
المختلفة التي تفرضها الحكومات وقدرتنا على الإنفاق على الأساسيات . لذلك، ربما
يقع المواطن فريسة للوعي الزائف لفترة من الزمن تحت تأثير الحشد العاطفي
والوطنية الشعاراتية ، لكن أمنه المعيشي يظل الرابط الوجودي الأخير الذي
يربطه بأرض الواقع.
إن تفكيك "الصوت السياسي" الصادر عن
مراكز القرار الحكومي ، والبحث عن "الصدى الاقتصادي" المتولد عنه،
ليس مجرد رفاهية فكرية أو فضولاً معرفياً عابراً يحتكره الأكاديميون، بل هو أداة
حتمية وآلية دفاعية حتمية لحماية المواطن البسيط من السحق المعيشي والمالي
وعلى المجتمع ان يستفيق قبل لحظة الارتطام ، المفكر والماركسي الإيطالي أنطونيو
غرامشي(Antonio Gramsci) جادل
بأن الهيمنة الثقافية والسياسية للطبقات الحاكمة تنجح عندما تقنع الجماهير بأن
الأوضاع الاقتصادية الصعبة هي "قدر طبيعي" لا مفر منه، أو ضريبة حتمية
للوفاء الوطني. لكن، عندما يمتلك المتلقي أدوات فكرية لفك شفرات الخطاب السياسي،
يسقط هذا التبرير . إن فهم آليات الاقتصاد السياسي يسمح للمجتمع بالانتقال من
مرتبة "المفعول به" (الذي يتلقى صدى القرارات ويتحمل أعباءها دون فهم)
إلى مرتبة "الفاعل" (الذي يحاسب ويفهم منشأ الأزمة). هذا الفرز النقدي
هو السبيل الوحيد لتمكين الرأي العام من الضغط باتجاه صياغة سياسات بديلة، وبناء
أدوات فاعلة تحمي مستقبله ومستقبل أبنائه من التقلبات الجيوسياسية الهوجاء.
ودمتم بخير

























