عبد الرؤوف الروابدة والهوية الوطنية الأردنية
يطرح دولة عبد الرؤوف
الروابدة فهمًا متماسكًا للهوية الوطنية الأردنية، يقوم على فكرة أساسية مفادها أن
الهوية الأردنية يجب أن تكون جامعة لكل الأردنيين، واضحة في انتمائها للدولة، ومنفتحة
في الوقت نفسه على عمقها العربي والحضاري.
وتكمن أهمية هذا الطرح
في أنه لا يتعامل مع الهوية باعتبارها مسألة نسب أو أصل أو جغرافيا ضيقة، بل
باعتبارها هوية مواطنة وانتماء ومسؤولية مشتركة.
فالإنسان يكون أردنيًا
لأنه ينتمي إلى الدولة الأردنية، ويحمل مواطنتها، ويشارك في مسؤولية حمايتها
وبنائها والمحافظة على مؤسساتها ومصالحها. ومن هنا تصبح الهوية الوطنية إطارًا
يجمع المواطنين بدل أن تكون وسيلة لتصنيفهم أو التفريق بينهم.
الهوية الأردنية لا
تتعارض مع العروبة
من أبرز ما يميز رؤية
الروابدة أنه لا يضع الهوية الأردنية في مواجهة الهوية العربية.
فالأردن نشأ في بيئة
عربية، وتاريخه السياسي والاجتماعي مرتبط بصورة وثيقة بالقضايا العربية، وفي
مقدمتها القضية الفلسطينية. ولذلك فإن تعزيز الهوية الوطنية الأردنية لا يعني
الانغلاق أو التخلي عن الانتماء العربي.
بل يمكن القول إن المعادلة
التي يعبر عنها هذا الفكر هي:
أردنيون في المواطنة
والانتماء للدولة، وعرب في الانتماء الحضاري والثقافي والتاريخي.
وهذه معادلة ناضجة،
لأنها تحمي خصوصية الدولة الأردنية من جهة، وتحافظ على امتدادها العربي من جهة
أخرى.
هوية تقوم على المواطنة
لا على الأصل
تكتسب رؤية الروابدة
أهميتها بصورة خاصة عندما تتناول سؤال: من هو الأردني؟
فالجواب في الدولة
الحديثة يجب ألا يبقى مرتبطًا بأصل العائلة أو المنطقة أو الجذور التاريخية، وإنما
بالمواطنة القانونية والسياسية الكاملة.
وهذا المفهوم يساهم في
تجاوز الكثير من الحساسيات التي رافقت النقاش حول الهوية في الأردن على مدى عقود.
فالأردني، أياً كان أصل
أسرته، هو شريك كامل في الدولة ما دام مواطنًا فيها، له الحقوق نفسها وعليه
الواجبات نفسها.
وهذا هو الأساس الحقيقي
للاستقرار الاجتماعي والسياسي.
لا توجد مواطنة من
الدرجة الأولى ومواطنة من الدرجة الثانية، ولا يجوز أن يكون أحد أكثر أردنية من
الآخر بسبب الأصل أو الجغرافيا أو التاريخ العائلي.
السردية الأردنية ضرورة
وطنية
ومن الأفكار المهمة
التي يطرحها الروابدة كذلك أهمية بناء السردية الأردنية.
فكل دولة تحتاج إلى
رواية وطنية واضحة تشرح لأبنائها كيف نشأت دولتهم، وما المراحل التي مرت بها، وما
التحديات التي واجهتها، وما التضحيات التي قدمت في سبيل بقائها واستقرارها.
وجود هذه السردية لا
يعني إعادة كتابة التاريخ وفق رؤية سياسية ضيقة، وإنما يعني بناء فهم مشترك للتاريخ
الوطني.
فعندما يعرف المواطن
تاريخ دولته، ويدرك طبيعة التحديات التي واجهتها، يصبح ارتباطه بها أكثر عمقًا.
والهوية في النهاية
ليست مجرد جواز سفر أو رقم وطني، وإنما ذاكرة مشتركة، وقيم مشتركة، ومستقبل مشترك.
الأردن وفلسطين
وتكتسب رؤية الهوية
الأردنية حساسية خاصة عند الحديث عن فلسطين.
لكن قوة الطرح تكمن في
القدرة على الفصل بين الهوية السياسية وبين الالتزام القومي والإنساني.
يمكن للأردني أن يكون
شديد الانتماء لوطنه ودولته، وفي الوقت نفسه شديد الالتزام بالقضية الفلسطينية.
لا يوجد تناقض بين
الأمرين.
بل إن حماية الأردن
واستقراره وقوة مؤسساته تشكل في حد ذاتها عنصر قوة للقضايا العربية، وعلى رأسها
القضية الفلسطينية.
ومن هنا فإن وضوح
الهوية الأردنية لا ينبغي أن يُفهم على أنه ابتعاد عن فلسطين، كما أن دعم فلسطين
لا ينبغي أن يُستخدم لتقليل أهمية الدولة الأردنية أو إضعاف هويتها.
الهوية مسؤولية وليست
مجرد انتماء
وربما تكون الخطوة
الأهم في تطوير مفهوم الهوية الوطنية هي الانتقال من السؤال:
من هو الأردني؟
إلى السؤال:
كيف يتصرف الأردني تجاه
وطنه؟
فالهوية الوطنية
الحقيقية تظهر في احترام القانون، والمحافظة على المال العام، والقيام بالعمل
بإتقان، ورفض الفساد والمحسوبية، والمساهمة في الإنتاج، وقبول الاختلاف، واحترام
مؤسسات الدولة.
وبذلك تتحول الهوية من
مجرد تعريف قانوني إلى سلوك وطني يومي.
المواطن الذي يحافظ على
المال العام يمارس هويته الوطنية.
والموظف الذي يؤدي عمله
بأمانة يمارس هويته الوطنية.
ورجل الأعمال الذي
يستثمر ويوفر فرص العمل يمارس هويته الوطنية.
والشباب الذين يدرسون
ويعملون ويبتكرون لخدمة بلدهم يمارسون هويتهم الوطنية.
هكذا تصبح الوطنية
ممارسة، لا مجرد شعار.
هوية تجمع ولا تفرق
القيمة الكبرى في رؤية
عبد الرؤوف الروابدة هي الدعوة إلى هوية وطنية قوية ولكن غير إقصائية.
فالدولة القوية لا تخشى
التنوع، وإنما تنظمه تحت مظلة المواطنة.
والأردن، بحكم تاريخه
وتكوينه الاجتماعي، يمتلك تنوعًا يمكن أن يكون مصدر قوة إذا بقيت المواطنة هي
المرجعية الأساسية.
عندها تصبح الاختلافات
الاجتماعية والجغرافية والثقافية عناصر إثراء، لا أسبابًا للانقسام.
فنحن لا نحتاج إلى
إلغاء الهويات الاجتماعية أو المحلية، وإنما إلى وضعها في مكانها الطبيعي تحت سقف
الهوية الوطنية الأردنية.
دولة القانون هي
التعبير العملي عن الهوية
لكن الهوية الوطنية لا
تكتمل بالشعارات وحدها.
إذا أردنا أن يشعر
المواطن بأن المواطنة هي أساس الانتماء، فلا بد أن يرى ذلك في مؤسسات الدولة.
وهنا تصبح دولة القانون
أهم تعبير عملي عن الهوية الوطنية.
عندما يتساوى المواطنون
أمام القانون، وتتساوى فرصهم في التعليم والعمل والخدمة العامة، ويشعر الإنسان أن
كفاءته وجهده هما أساس تقدمه، تصبح الهوية الوطنية أقوى بكثير من أي خطاب نظري.
فالعدالة تعزز الانتماء.
وتكافؤ الفرص يعزز
الانتماء.
والثقة بالمؤسسات تعزز
الانتماء.
خلاصة
إن فهم عبد الرؤوف
الروابدة للهوية الوطنية الأردنية يقدم أساسًا إيجابيًا يمكن البناء عليه في
المرحلة المقبلة.
هوية أردنية واضحة،
جامعة لكل المواطنين، قائمة على المواطنة، لا تتعارض مع العروبة، ولا تتنكر
لفلسطين، ولا تسمح في الوقت نفسه بأن تتقدم أي هوية فرعية على هوية الدولة.
لكن القيمة الحقيقية
لهذا المفهوم تظهر عندما يتحول إلى ممارسة:
مواطنة متساوية، دولة
قانون، مسؤولية مشتركة، وواجب جماعي في بناء الأردن وحمايته.
فالأردن لا يحتاج فقط
إلى أن يتفق أبناؤه على أنهم أردنيون، وإنما إلى أن يتفقوا على أن مستقبلهم واحد،
وأن نجاح الدولة هو نجاحهم جميعًا.
وهنا تصبح الهوية
الوطنية الأردنية ليست مجرد تعريف للانتماء، بل مشروعًا مستمرًا لبناء الدولة
والمجتمع والمستقبل.

























