روسيا بين هواجس الأمن وفخ الحرب الطويلة: هل يعيد التاريخ بعض ملامحه؟
فهم الدوافع الروسية لا
يعني تبرير الحرب، لكنه شرط أساسي لفهمها
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حداد
لا يعيد التاريخ نفسه
بصورة حرفية، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج أنماط متشابهة من الخوف، وسوء التقدير،
والتحالفات المتشابكة، والاعتقاد بأن الحرب يمكن أن تبقى محدودة وقصيرة.
ومن هذه الزاوية، يمكن
ملاحظة بعض أوجه الشبه بين دخول روسيا الحرب العالمية الأولى عام 1914 ودخولها
الحرب في أوكرانيا عام 2022.
غير أن هذه المقارنة
يجب ألا تتحول إلى إدانة مبسطة لروسيا أو إلى تجاهل لهواجسها الأمنية والتاريخية.
فروسيا ليست دولة ظهرت فجأة على مسرح الأحداث، وليست قوة تتحرك في فراغ سياسي.
إنها دولة كبرى ذات تاريخ طويل من الغزوات والحروب والتهديدات على حدودها، وقد
تشكل وعيها الاستراتيجي تحت تأثير تجارب قاسية امتدت من حملات نابليون إلى الغزو
النازي، مروراً بالصراع الأوروبي الطويل على مناطق النفوذ.
ولهذا، فإن أي تحليل
جاد للموقف الروسي يجب أن يميز بين ثلاثة أمور:
أولاً، فهم دوافع روسيا
ومخاوفها.
ثانياً، تقييم صحة
قرارات قيادتها.
ثالثاً، الاعتراف بأن
الحرب، مهما كانت دوافعها، تفرض كلفة إنسانية وسياسية واقتصادية هائلة على جميع
الأطراف.
روسيا عام 1914: الدفاع
عن صربيا ومكانة روسيا بين الشعوب السلافية
بدأت الأزمة التي قادت
إلى الحرب العالمية الأولى بعد اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، ولي عهد
الإمبراطورية النمساوية المجرية، في سراييفو يوم 28 حزيران 1914.
حمّلت النمسا والمجر
صربيا المسؤولية، وقدمت لها إنذاراً شديداً. وعندما لم تقبل صربيا جميع الشروط،
أعلنت النمسا والمجر الحرب عليها.
كانت روسيا ترى نفسها
حامية لصربيا وللشعوب السلافية في البلقان. ولم يكن هذا الموقف قائماً فقط على
المصالح السياسية، بل ارتبط أيضاً بروابط ثقافية ودينية وتاريخية، وبشعور روسي بأن
التخلي عن صربيا سيعني فقدان المصداقية والمكانة في منطقة كانت تتعرض لضغوط
إمبراطورية متزايدة.
من المنظور الروسي، لم
يكن دعم صربيا مجرد مغامرة خارجية، بل كان مرتبطاً بصورة روسيا عن نفسها كقوة
أوروبية كبرى وكدولة لها مسؤولية تجاه الشعوب السلافية.
لكن روسيا أخطأت في
تقدير مدى اتساع الأزمة.
كانت ألمانيا حليفة
للنمسا والمجر، وكانت فرنسا حليفة لروسيا. وعندما بدأت روسيا التعبئة، رأت ألمانيا
في ذلك تهديداً مباشراً، فأعلنت الحرب على روسيا، ثم هاجمت فرنسا.
وهكذا تحولت أزمة
إقليمية في البلقان إلى حرب أوروبية شاملة، ثم إلى حرب عالمية.
لم يكن الخطأ الروسي في
دعم صربيا وحده، بل في الاعتقاد أن هذا الدعم يمكن أن يبقى محدوداً، وأن التحالفات
الأوروبية لن تتحرك بكامل قوتها.
روسيا لم تدخل الحرب
العالمية الأولى بلا أسباب
من السهل، بعد مرور
أكثر من قرن، النظر إلى قرار روسيا عام 1914 باعتباره خطأً تاريخياً واضحاً.
لكن القرارات السياسية
لا تُتخذ دائماً في أجواء هادئة أو بناءً على معرفة النتائج المستقبلية.
كانت روسيا تخشى أن
يؤدي سقوط صربيا أو إخضاعها الكامل إلى تمدد نفوذ النمسا والمجر وألمانيا في
البلقان، وإلى تراجع مكانتها كقوة عظمى. كما كانت تخشى أن يظهر تراجعها وكأنه ضعف
أمام خصومها وحلفائها في الوقت نفسه.
لقد وجدت القيادة
الروسية نفسها أمام خيارين صعبين:
إما التخلي عن صربيا
وخسارة نفوذها ومكانتها، أو التحرك عسكرياً مع احتمال الدخول في مواجهة أوسع.
اختارت التحرك، لكنها
لم تدرك أن أوروبا كانت قد أصبحت شديدة التوتر إلى درجة أن التعبئة العسكرية نفسها
يمكن أن تتحول إلى إعلان حرب غير مباشر.
من حرب متوقعة أن تكون
قصيرة إلى كارثة وطنية
عندما بدأت الحرب
العالمية الأولى، لم تكن روسيا وحدها التي توقعت حرباً قصيرة. معظم الدول
الأوروبية اعتقدت أن العمليات العسكرية ستنتهي خلال أشهر.
لكن الحرب تحولت إلى
صراع طويل استنزف الجيوش والاقتصادات والمجتمعات.
كانت روسيا دولة واسعة
ذات تعداد سكاني ضخم، لكنها لم تكن مستعدة تماماً لحرب صناعية طويلة. فقد واجهت
مشكلات في النقل، والتسليح، والإمداد، والتمويل، والإدارة العسكرية.
وتزايدت الخسائر
البشرية، وارتفع التضخم، وتراجعت قدرة الدولة على توفير الغذاء والوقود ونقل
الموارد بين الجبهة والمدن.
لم يكن سقوط
الإمبراطورية الروسية نتيجة قرار واحد، بل نتيجة تراكم طويل من الحرب، والضعف
المؤسسي، والانقسامات الداخلية، والأزمات الاقتصادية، وفقدان الثقة بالقيادة.
دخلت روسيا الحرب
دفاعاً عن مكانتها وعن صربيا، لكنها خرجت منها بعد انهيار نظامها السياسي.
روسيا وأوكرانيا: تاريخ
متداخل لا يمكن اختزاله
عند الانتقال إلى الحرب
في أوكرانيا، يجب الاعتراف بأن العلاقة بين روسيا وأوكرانيا ليست علاقة عادية بين
دولتين متباعدتين.
فالشعبان يرتبطان
بتاريخ طويل، وتداخل سكاني وثقافي ولغوي وديني، وروابط أسرية واقتصادية امتدت عبر
قرون.
وكانت أوكرانيا جزءاً
من الإمبراطورية الروسية، ثم من الاتحاد السوفيتي، قبل أن تصبح دولة مستقلة عام
1991.
من وجهة النظر الروسية،
لم يكن تحرك أوكرانيا نحو الغرب مجرد خيار دبلوماسي لدولة مجاورة، بل اعتُبر
تحولاً استراتيجياً عميقاً في منطقة تراها موسكو جزءاً أساسياً من مجالها الأمني
والتاريخي.
كما نظرت روسيا بقلق
إلى توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً منذ نهاية الحرب الباردة، ورأت أن اقتراب البنية
العسكرية الغربية من حدودها يمثل تهديداً مباشراً.
قد يرفض الغرب هذه
الرؤية، وقد يرى أن دول أوروبا الشرقية انضمت إلى الحلف بإرادتها بسبب مخاوفها من
روسيا. لكن لا يمكن تجاهل أن موسكو نظرت إلى هذا التوسع باعتباره تراجعاً مستمراً
لهامشها الأمني.
وفهم هذا الشعور الروسي
ضروري لفهم الحرب، حتى لو لم يكن كافياً لتبريرها.
حماية الناطقين
بالروسية: هاجس حقيقي استُخدم بصورة خطرة
قدمت القيادة الروسية
تدخلها في أوكرانيا باعتباره دفاعاً عن السكان الناطقين بالروسية، ولا سيما في
دونباس.
ومنذ عام 2014، شهد شرق
أوكرانيا نزاعاً مسلحاً حقيقياً، وسقط خلاله قتلى وجرحى، وتعرض المدنيون للخوف
والنزوح والانقسام.
كما شعر قسم من السكان
الناطقين بالروسية بأن هويتهم الثقافية واللغوية أصبحت موضع تهديد أو ضغط في ظل
تصاعد القومية الأوكرانية.
لا يجوز إنكار وجود هذه
المخاوف أو التقليل من معاناة سكان الشرق الأوكراني.
لكن المشكلة كانت في
تحويل هذه الأزمة إلى مبرر لشن حرب واسعة على أوكرانيا كلها.
فليس كل ناطق بالروسية
مؤيداً لروسيا، وليس كل من يرتبط ثقافياً بروسيا راغباً في الانفصال عن أوكرانيا
أو الخضوع لموسكو.
لقد أساءت القيادة
الروسية تقدير مدى تعقيد الهوية الأوكرانية. فالكثير من الأوكرانيين يتحدثون
الروسية، لكنهم يعتبرون أنفسهم أوكرانيين وطنياً وسياسياً.
وهنا ظهر أحد أخطر
أخطاء الحرب: الاعتقاد بأن اللغة تقود بالضرورة إلى الولاء السياسي.
لماذا اعتقدت موسكو أن
الحرب ستكون قصيرة؟
تشير طبيعة العمليات
الأولى في شباط 2022 إلى أن القيادة الروسية توقعت انهياراً سريعاً للحكومة
الأوكرانية، أو على الأقل انهيار قدرة الدولة على المقاومة المنظمة.
وربما اعتقدت موسكو أن
الانقسامات الداخلية في أوكرانيا، والتقارب الثقافي مع روسيا، وقوة الجيش الروسي،
ستسمح بتحقيق أهداف سياسية خلال فترة قصيرة.
لكن هذه الحسابات لم
تتحقق.
بقيت الحكومة
الأوكرانية في كييف، وقاوم الجيش، وتعبأ المجتمع، وتدفقت المساعدات العسكرية
والمالية والاستخبارية الغربية.
تحولت العملية التي كان
يُعتقد أنها قابلة للحسم السريع إلى حرب استنزاف طويلة.
وهنا يظهر وجه الشبه مع
عام 1914: الدخول في حرب على أساس افتراضات متفائلة، ثم اكتشاف أن الخصم
والتحالفات والظروف الدولية أقوى بكثير مما كان متوقعاً.
المسؤولية لا تقع على
روسيا وحدها
من الخطأ تحليل الحرب
وكأنها بدأت في فراغ يوم 24 شباط 2022.
لقد سبقتها سنوات من
التوتر منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وتوسع حلف شمال الأطلسي، والخلاف حول
أوكرانيا، وضم شبه جزيرة القرم، والقتال في دونباس، وفشل اتفاقيات مينسك في إنهاء
النزاع.
كما أخفقت روسيا والغرب
وأوكرانيا معاً في بناء تسوية أمنية قابلة للحياة.
الولايات المتحدة
والدول الأوروبية لم تأخذ المخاوف الروسية بالجدية الكافية، أو اعتبرتها مجرد
محاولة لإعادة بناء الإمبراطورية الروسية.
وروسيا، من جانبها، لم
تثق بالمؤسسات الغربية، ورأت أن كل تقدم أوكراني نحو أوروبا يمثل خسارة استراتيجية
لها.
أما أوكرانيا، فوجدت نفسها
بين رغبتها في تثبيت استقلالها الكامل وبين ضغوط الجغرافيا والتاريخ والصراع بين
القوى الكبرى.
وهكذا أصبحت أوكرانيا
ساحة مواجهة بين رؤيتين للأمن الأوروبي:
رؤية غربية ترى أن لكل
دولة الحق في اختيار تحالفاتها.
ورؤية روسية ترى أن أمن
دولة ما لا يجوز أن يتحقق عبر تهديد الأمن المباشر لدولة أخرى.
لم تتمكن الأطراف من
التوفيق بين الرؤيتين، فتحولت الأزمة السياسية إلى حرب.
الغرب أيضاً أساء
الحساب
كما أخطأت موسكو عندما
توقعت حرباً قصيرة، أخطأ الغرب عندما اعتقد أن العقوبات الاقتصادية ستدفع روسيا
سريعاً إلى التراجع أو الانهيار.
أظهرت روسيا قدرة كبيرة
على التكيف، وإعادة توجيه تجارتها، وتوسيع إنتاجها العسكري، والمحافظة على تماسك
مؤسساتها.
لم تتوقف الحرب تحت ضغط
العقوبات، ولم تنهَر الدولة الروسية.
وهذا يدل على أن روسيا
ليست دولة هامشية يمكن عزلها بسهولة، بل قوة كبرى تملك موارد طبيعية وصناعية
وعسكرية واسعة، وعلاقات متنامية مع دول خارج المعسكر الغربي.
لكن قدرة روسيا على
الصمود لا تعني أن الحرب بلا كلفة.
فالاقتصاد الروسي أصبح
أكثر اعتماداً على الإنفاق العسكري، وتعرضت قطاعات مدنية للضغط، وهاجر عدد من
الشباب والمتخصصين، وتزايدت الخسائر البشرية والديمغرافية.
وقد تتمكن الدولة من
تحمل الحرب سنوات، لكن السؤال الحقيقي هو: ما الثمن الذي ستدفعه روسيا على المدى
الطويل؟
الحرب عززت ما كانت
روسيا تخشاه
كانت روسيا تسعى إلى
منع توسع حلف شمال الأطلسي وتعزيز أمن حدودها الغربية.
لكن الحرب أدت إلى
انضمام فنلندا إلى الحلف، وزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، وتعزيز الوجود العسكري
الغربي قرب الحدود الروسية.
كما كانت موسكو تسعى
إلى الحد من التوجه الأوكراني نحو الغرب، لكن الحرب عمقت هذا التوجه، وجعلت قطاعات
واسعة من الشعب الأوكراني أكثر رفضاً لروسيا.
وكانت تسعى إلى حماية
اللغة والثقافة الروسيتين في أوكرانيا، لكن الحرب أضعفت الروابط الإنسانية بين
الشعبين، وربطت صورة روسيا في أذهان كثير من الأوكرانيين بالدمار والخوف.
هذه النتائج مؤلمة
خصوصاً لأن روسيا وأوكرانيا ليستا شعبين غريبين عن بعضهما، بل شعبان تجمعهما صلات
عميقة.
لقد تحولت حرب كان
يُفترض، وفق الرؤية الروسية، أن تعيد ترتيب العلاقة بين البلدين، إلى جرح تاريخي
قد يحتاج إلى أجيال حتى يلتئم.
الشعب الروسي ليس خصماً
للعالم
من الضروري التمييز بين
روسيا، شعباً وحضارة، وبين قرارات السلطة السياسية.
الشعب الروسي قدم
للعالم إسهامات كبيرة في الأدب والموسيقى والعلوم والفلسفة والهندسة والفضاء.
وهو شعب تحمل حروباً
وغزوات وخسائر هائلة، ولا يجوز اختزاله في صورة العدو أو تحميله وحده مسؤولية
قرارات لا يشارك جميع المواطنين في صنعها.
كذلك، ليس من العدل
التعامل مع كل روسي على أنه مؤيد للحرب، أو مع كل اعتراض روسي على توسع الغرب على
أنه عداء للحرية.
لروسيا هواجس أمنية
مشروعة، ولها حق في أن تشعر بالقلق من التحولات العسكرية قرب حدودها.
لكن الدول الكبرى تتحمل
مسؤولية أكبر في تحويل هواجسها إلى سياسات متوازنة، لا إلى حروب قد تدمر ما تريد
حمايته.
خطر النظام شديد
المركزية
يظل أحد أوجه الخطر في
روسيا هو شدة تركيز القرار السياسي.
فعندما يرتبط قرار
الحرب برؤية قائد واحد، يصبح من الصعب مراجعة الاستراتيجية أو الاعتراف بالأخطاء.
قد يتحول التراجع من
موقف ما إلى تهديد لهيبة الدولة والقيادة، حتى لو كان التراجع مفيداً للمصلحة
الوطنية.
وفي مثل هذه الأنظمة،
قد يخشى المسؤولون تقديم المعلومات التي تناقض توقعات القيادة، فتصل القرارات
العليا محاطة بتقارير متفائلة أو غير مكتملة.
هذا لا يعني أن كل ما
يقال عن ضعف القرار الروسي صحيح، لكنه يوضح خطورة غياب النقاش المؤسسي المفتوح
أثناء الحرب.
الدولة القوية لا تخشى
النقد المهني، بل تستفيد منه.
والقيادة الواثقة لا
تعتبر مراجعة القرار هزيمة، بل وسيلة لمنع خسائر أكبر.
هل يمكن تكرار سيناريو
عام 1917؟
لا تبدو روسيا اليوم
قريبة مباشرة من انهيار مشابه لما حدث عام 1917.
الدولة الحديثة أكثر
تنظيماً، وأجهزتها الأمنية أقوى، وقدرتها على المراقبة والإدارة والتمويل أكبر من
قدرة النظام القيصري.
كما أن المدن الروسية
ما تزال تعمل، والخدمات الأساسية مستمرة، والمؤسسات العسكرية والأمنية متماسكة.
لكن التاريخ يحذر من
تراكم الضغوط.
فالدول لا تنهار عادة
بسبب خسارة معركة واحدة، بل عندما تتزامن الهزائم العسكرية، والأزمات الاقتصادية،
وانقسام النخبة، وتراجع الثقة العامة، وعجز الدولة عن تقديم تفسير مقنع للتضحيات.
لم تصل روسيا إلى هذه
المرحلة، وقد لا تصل إليها.
لكن استمرار الحرب من
دون أفق سياسي واضح يزيد المخاطر، ويجعل تكلفة كل عام جديد أكبر من سابقه.
روسيا بحاجة إلى مخرج
يحفظ كرامتها
لا يمكن إنهاء الحرب
عبر مطالبة روسيا بالاستسلام السياسي الكامل أو التعامل معها كدولة مهزومة ينبغي
إذلالها.
روسيا قوة نووية، وعضو
دائم في مجلس الأمن، ودولة محورية في النظام الدولي.
وأي تسوية مستدامة يجب
أن تراعي أمن أوكرانيا وسيادتها، وفي الوقت نفسه تعالج المخاوف الأمنية الروسية
بطريقة جدية.
فالسلام لا يُبنى
بإلغاء مخاوف أحد الأطراف، بل بإيجاد توازن يمنع استخدام تلك المخاوف مبرراً لحرب
جديدة.
كذلك، لا يجوز أن تتحول
أوكرانيا إلى أداة دائمة لاستنزاف روسيا، ولا أن تتحول روسيا إلى قوة تفرض إرادتها
على جيرانها بالقوة.
المطلوب نظام أمني
أوروبي جديد، يعترف باستقلال الدول، لكنه يضع أيضاً قيوداً واضحة على التصعيد
العسكري قرب الحدود الحساسة.
الدرس الحقيقي من
التاريخ
في عام 1914، دخلت
روسيا الحرب دفاعاً عن صربيا وعن مكانتها في العالم السلافي، لكنها لم تستطع
التحكم في اتساع الحرب ونتائجها.
وفي عام 2022، دخلت
روسيا أوكرانيا انطلاقاً من هواجس أمنية وتاريخية، ومن شعورها بأن الغرب يتقدم
باستمرار نحو حدودها، وبأن المجتمعات الناطقة بالروسية أصبحت مهددة.
لكن الحرب أصبحت أطول
وأوسع وأشد كلفة مما كان متوقعاً.
في الحالتين، لم تكن
المشكلة غياب الدوافع، بل الاعتقاد أن استخدام القوة سيحل أزمة سياسية معقدة بسرعة.
وهذا هو الخطأ الذي
يتكرر كثيراً في التاريخ.
قد تكون هواجس روسيا
مفهومة.
وقد تكون شكاواها من
النظام الأمني الأوروبي مشروعة جزئياً.
لكن الحرب لم تمنح
روسيا حتى الآن أمناً أكبر، ولم تعد بناء الثقة مع أوكرانيا، ولم تقلل المواجهة مع
الغرب.
بل وضعت روسيا في صراع
طويل يستهلك قوتها ويعمق عزلتها عن جزء كبير من أوروبا.
الخاتمة
إن المقارنة بين روسيا
في الحرب العالمية الأولى وروسيا في حرب أوكرانيا لا تعني أن التاريخ سيتكرر
بالطريقة نفسها.
روسيا اليوم أقوى وأكثر
تنظيماً، ولا تواجه الظروف ذاتها التي أدت إلى انهيار الإمبراطورية عام 1917.
لكن التشابه يكمن في
دخول حرب تحت ضغط المخاوف الأمنية والالتزامات التاريخية، مع الاعتقاد أنها ستبقى
محدودة وقابلة للسيطرة.
دخلت روسيا الحرب
العالمية الأولى دعماً لصربيا والشعوب السلافية في مواجهة النمسا والمجر، لكنها لم
تحسب بالكامل أن ألمانيا ستتحرك بقوة إلى جانب حليفتها، وأن فرنسا وبريطانيا
ستدخلان الحرب ضمن شبكة التحالفات الأوروبية.
وفي أوكرانيا، تحركت
روسيا انطلاقاً من خوفها من توسع الغرب، ومن اعتقادها بأنها تحمي السكان الناطقين
بالروسية، ومن توقعها أن الحرب ستكون قصيرة.
لكنها وجدت نفسها في
مواجهة مقاومة أوكرانية واسعة ودعم غربي طويل الأمد.
إن تفهم دوافع روسيا لا
يعني الموافقة على كل قرارات الكرملين.
كما أن نقد قرار الحرب
لا يعني العداء لروسيا أو إنكار مخاوفها.
الموقف الأكثر توازناً
هو الاعتراف بأن روسيا دولة لها مصالح أمنية حقيقية، لكنها ارتكبت خطأً كبيراً
عندما اعتقدت أن الحرب ستعالج تلك المصالح بكلفة محدودة.
روسيا لا تحتاج إلى
مزيد من الاستنزاف، وأوكرانيا لا تحتاج إلى مزيد من الدمار، وأوروبا لا تحتاج إلى
حرب مفتوحة بلا نهاية.
الحل ليس في إذلال
روسيا، ولا في إخضاع أوكرانيا.
الحل في تسوية تحفظ
سيادة أوكرانيا، وتعالج المخاوف الأمنية الروسية، وتمنع تكرار الأخطاء التي حولت
أزمات قابلة للتفاوض إلى حروب غير قابلة للسيطرة.
فالتاريخ لا يعاقب
الدول لأنها تمتلك مخاوف.
لكنه يعاقب القيادات عندما
تعتقد أن القوة العسكرية وحدها تستطيع حلها.

























