تجربة بوركينا فاسو .. ونهضتها
عوض ضيف الله الملاحمة
الإقتباس ، والإستفادة
، والإقتداء ، وأخذ العِبرة ، والخبرة من تجارب الغير فعل إيجابي ، يختصر على
المستفيد الكثير من الوقت ، ويتجنب الكثير من الأخطاء ، وبهذا يكون الإنسان قد
تعلّم ، وخبِر الكثير دون ان يكلفه الحصول على المعلومة شيئاً ، لأن كُلفة هذه
المعلومة او خلاصة هذه التجربة قد دفعها غيره .
دوماً ، أحب ان أتعرف
على تجارب الدول ، وأقتفي أثرها لإثراء معلوماتي ، ومعرفتي العامة عن تطور الدول ،
وتجاوزها المِحن ، ونهوضها من كبواتها وتخلفها وإنحدارها .
بالصدفة ، إطلعت على
تجربة بوركينا فاسو النهضوية ، وأُعجبت فيها ، وما إكتنفها من معاناة ، وعزيمة
وإصرار حتى تحقق نجاح مُبهر . وهنا سوف أُوجز القراء الكرام عن تلك التجربة
الناجحة.
بوركينا فاسو ، كان
إسمها القديم ( جمهورية فولتا العليا ) ، نسبة الى مجرى نهر فولتا . ومعنى إسم /
بوركينا فاسو ( أرض الرجال الشرفاء ) ، وإكتسبت هذا الإسم الجديد عام ١٩٨٤ ، حيث
قام الرئيس / توماس سانكارا بتغيير إسمها ، وإطلاق الإسم الجديد عليها . وهو من
قاد نهضتها الأولى . وهي دولة غير ساحلية ، تقع في غرب أفريقيا ، وتحدها ستة دول
هي : مالي من الشمال ، والنيجر من الشرق ، وبنين من الجنوب الشرقي ، وتوغو وغانا
من الجنوب ، وساحل العاج من الجنوب الغربي . وتقع ضمن دول الصحراء الكبرى في
افريقيا . وتبلغ مساحتها ( ٢٧٤,٢٠٠ ) كم مربع ، ويبلغ عدد سكانها حوالي ( ٢٢
) مليون نسمة . كان الدخل الإجمالي القومي السنوي لجمهورية بوركينا فاسو قبل النهضة
الأولى يتراوح بين ( ٣٨٧– ٦٥٧ ) مليون دولار أمريكي سنوياً فقط . وبلغ متوسط نصيب
الفرد من الناتج المحلي الإجمالي السنوي حوالي ( ١٢٥ ) دولاراً أمريكياً
سنوياً لا غير.
أما بعد النهضة الأولى
فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي — وتحديداً في عام ٢٠٢١ — لجمهورية بوركينا
فاسو حوالي ( ١٨ ) مليار دولار أمريكي . وإرتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي
الإجمالي السنوي الى حوالي ( ٩٠٠ ) دولار أمريكي .
وهنا نتساءل عن السبب
الذي أدى الى هذه القفزة الكبيرة في الناتج المحلي الإجمالي ، وفي متوسط دخل الفرد
؟ وهنا تبدأ القصة.
بدأت تجربة بوركينا
فاسو النهضوية (( الثانية)) في عام ٢٠٢٢ ، عندما تولى السلطة فيها النقيب
الشاب / إبراهيم تراوري . وأصبح نهجه نموذجاً فريداً ومثيراً للجدل في التحرر
الوطني ، والسعي نحو السيادة الإقتصادية ، وتحقق النهضة الزراعية ، وسط تحديات
أمنية وسياسية جسيمة . أولى الخطوات التي تم إتخاذها تمثلت في الإنفكاك عن (
التبعية ) الفرنسية ، حيث إتخذت القيادة خطوات حاسمة بإنهاء النفوذ العسكري
والسياسي الفرنسي ، عبر طرد القوات الفرنسية ، وفسخ الإتفاقيات الثنائية القديمة ،
وصولاً الى إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية رسمياً . وإعلان السيادة الوطنية ،
وإتخاذ قرار سيادي برفض التدخلات الخارجية ، والتوجه نحو بناء تحالفات إقليمية
بديلة ، لتعزيز الأمن القومي ، والسيادة المطلقة .
كانت البلاد تعاني من
فقر مدقع ، وأمية متفشية ، وتبعية إقتصادية كاملة لفرنسا . كما عانت البلاد من
سلسلة إنقلابات عسكرية هشة.
وبدأت مرحلة جديدة
تمثلت في : محاربة الفساد المالي والإداري ، ودعم الإنتاج المحلي ، وإعادة هيكلة
الإدارة العامة ، ورفض الإقتراض من صندوق النقد الدولي ، والإعتماد على التمويل
الذاتي ، ووضع خطة للإكتفاء الذاتي من الحبوب ، وإطلاق خططاً زراعية طموحة ومكثفة
لدعم الفلاحين المحليين ، ومضاعفة الإنتاج ، حيث تم توزيع آلاف الأطنان من الأسمدة
الزراعية والبذور ومئات الآلات الزراعية مجاناً على المزارعين ، وتم إفتتاح مشاريع
تصنيع غذائي ، مثل مصانع البندورة والبصل لتقليل الفاقد ، والعمل على إعادة توجيه
موارد الدولة وعائدات التعدين والذهب لتمويل مشاريع التنمية الداخلية بدلاً من
إستنزافها لصالح الشركات الأجنبية . وإطلاق عشرات المشاريع الكبرى في قطاعات
الطاقة ، والطرق ، والمياة للنهوض بالدولة الحبيسة التي لا تملك منفذاً بحرياً .
واجهت بوركينا فاسو
تحديات كبرى وضغوطاً أمنية هائلة جراء نشاط الجماعات المسلحة المتطرفة ، مما جعل
المعركة الأمنية موازية لمعركة البناء والتنمية . ورغم المؤشرات الإيجابية في بعض
القطاعات ، تبقى نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الزراعة الموسمية البحتة وسط
تحديات التغير المناخي والفقر المزمن . حيث يختلف معدل السقوط المطري السنوي
ويتراوح بين ( ٢٥٠ — ٨٤٠ ) ملم ، فهناك مناطق تعتبر شبه قاحلة .
وفي عام ٢٠٢٥ ، حققت
بوركينا فاسو مؤشرات إقتصادية وتنموية قوية ، تعكس بداية مرحلة تحول ونهضة محلية
رغم التحديات الأمنية المعقدة . وجاءت هذه القفزة مدفوعة بالتركيز على السيادة
الإقتصادية ، والإنتاج المحلي ، وإعادة هيكلة قطاع التعدين .
ومن أبرز مؤشرات النهضة
التي وصلت اليها بوركينا فاسو ، ما يلي:—
— قفز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي
ليصل الى ( ٦,٣ ٪ ) ، في عام ٢٠٢٥ ، مقارنة بنحو ( ٤,٨ ٪ ) في عام ٢٠٢٤ ، و (
٣٪ ) في عام ٢٠٢٣.
— بلغ الناتج المحلي الإجمالي حوالي ( ٢٧,٦٣ )
مليار دولاراً أمريكياً.
— إنخفاض معدل التضخم بشكل ملحوظ من مستويات
قياسية تفوق ( ١٤ ٪ ) في عام ٢٠٢٢ ، الى نحو ( ٠,٥٪ ) في عام ٢٠٢٥ .
— إرتفاع إنتاج الذهب الى مستوى قياسي وتاريخي ،
حيث قفز إنتاج الذهب بنسبة ( ٥٨٪ ) ليصل الى ( ٩٤ ) طناً عام ٢٠٢٥ ، بزيادة تزيد
عن ( ٣٠ ) طناً.
— حقق القطاع الزراعي نمواً بنسبة ( ١٨ ٪ ) وبلغ
إنتاج الحبوب ( ٧,١٥ ) ملايين طن ، وهو ما غطى ( ١٢٦ ٪ ) من الإحتياجات
المحلية للبلاد.
— إرتفعت مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي
الإجمالي لتصل الى ( ٣٢,٩٪ ) ، مقارنة ب ( ٢٤,٤ ٪ ) في السنوات السابقة ، مما
يظهر تسارع وتيرة التصنيع.
— إرتفعت نسبة وصول السكان الى مياة الشرب النظيفة
الى ( ٧٨,٩ ٪ ).
— إنخفاض معدل الفقر المدقع من ( ٣٥٪ ) عام ٢٠٢٢
، الى نحو ( ٣٠٪ ) عام ٢٠٢٥ ، بالتوازي مع التوسع في تقديم برامج التأمين الصحي .
— أقرت الحكومة موازنة عام ٢٠٢٥ بالتركيز الكامل
على ثلاثة قطاعات رئيسية هي :— التعليم وخُصصت له النسبة الكبرى ( ٢٨,٣٤ ٪ ) .
والدفاع والأمن وخصص له ( ٢٧,٧٦ ٪ ) . والصحة خُصص لها ( ١١,٧٩ ٪ ) .
عندما تتوافر الإدارة
الرشيدة ، والإرادة الحصيفة ، بالإضافة الى العزيمة والإصرار على النهوض بالأوطان
، فلا عقبات تعيق المسيرة مهما بلغت تعقيداتها . والتخلص من التبعية للغير ،
وتوافر قيادة وطنية ، والركون إلى الإمكانيات الوطنية ، وتوظيفها بشكل صحيح ،
ومكافحة الفساد ، وإعتماد الإنجاز كمقياس وحيد للأداء ، بالإضافة الى تحقيق
العدالة ، هي أسس النهضة الحقيقية لنهوض الأوطان .

























