شريط الأخبار
ترامب يعود للتهديد بـ"محو وتفجير" ايران بأكملها! تجربة بوركينا فاسو .. ونهضتها اسرائيل تدّعي "القلق" من سيناريو يعده الحوثيون لإشعال حرب شاملة وجر تل أبيب إليها جريمة حرب: العقوبات تخنق الدواء في إيران.. والمرضى يدفعون الثمن جمعية البنوك: لا زيادة على أقساط القروض القائمة للأفراد بعد رفع أسعار الفائدة الأمن العام: 119 قضية مخدر كريستال منها 29 اتجارا وترويجا خلال اسبوع متى تتحول الهدنة في غزة من عنوان سياسي إلى حماية فعلية للناس؟ الاردن يدين اقتحام بن غفير المسجد الأقصى ويحذر من عواقب الانتهاكات الإسرائيلية القطاع الزراعي.. هل ينتظر الغرفة الزراعية أم يعزز تمثيله بغرفتي الصناعةوالتجارة؟ القبض على شخص حاول التسلل عبر الحدود الشمالية البنك المركزي الأردني يرفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس تجارة عمان : مخرجات زيارة الملك إلى لندن يجب تحويلها لأعمال واستثمارات بعد تناوله الخلفية الفكرية للشرع.. هجوم واسع من أوساط سلفية على مفتي سوريا عملية فدائية وقتل مستوطن.. ومحاولة دهس آخر في الضفة الغربية "سي إن إن": واشنطن لا تخطط لضرب "الحوثيين" وتعتبر أن السعودية تتلقى ما تحتاجه إيران تحذر واشنطن ودولا إقليمية من "هجمات مؤلمة" في حال استهدافها العيسوي: الأردن يمضي بثقة نحو المستقبل بقيادته الهاشمية ووحدة أبنائه الملك يبدأ زيارة عمل إلى نيويورك ويلقي خطابا في اجتماعات الأمم المتحدة حسان: الوضع الإقليمي وأزماته صعب وآثارها على أثر على المنطقة قد تطول لأشهر أو سنوات 15.1 مليون دينار حجم التداول في بورصة عمّان

تجربة بوركينا فاسو .. ونهضتها

تجربة بوركينا فاسو .. ونهضتها


 

عوض ضيف الله الملاحمة 

 

الإقتباس ، والإستفادة ، والإقتداء ، وأخذ العِبرة ، والخبرة من تجارب الغير فعل إيجابي ، يختصر على المستفيد الكثير من الوقت ، ويتجنب الكثير من الأخطاء ، وبهذا يكون الإنسان قد تعلّم ، وخبِر الكثير دون ان يكلفه الحصول على المعلومة شيئاً ، لأن كُلفة هذه المعلومة او خلاصة هذه التجربة قد دفعها غيره

 

دوماً ، أحب ان أتعرف على تجارب الدول ، وأقتفي أثرها لإثراء معلوماتي ، ومعرفتي العامة عن تطور الدول ، وتجاوزها المِحن ، ونهوضها من كبواتها وتخلفها وإنحدارها

 

بالصدفة ، إطلعت على تجربة بوركينا فاسو النهضوية ، وأُعجبت فيها ، وما إكتنفها من معاناة ، وعزيمة وإصرار حتى تحقق نجاح مُبهر . وهنا سوف أُوجز القراء الكرام عن تلك التجربة الناجحة

 

بوركينا فاسو ، كان إسمها القديم ( جمهورية فولتا العليا ) ، نسبة الى مجرى نهر فولتا . ومعنى إسم / بوركينا فاسو ( أرض الرجال الشرفاء ) ، وإكتسبت هذا الإسم الجديد عام ١٩٨٤ ، حيث قام الرئيس / توماس سانكارا بتغيير إسمها ، وإطلاق الإسم الجديد عليها . وهو من قاد نهضتها الأولى . وهي دولة غير ساحلية ، تقع في غرب أفريقيا ، وتحدها ستة دول هي : مالي من الشمال ، والنيجر من الشرق ، وبنين من الجنوب الشرقي ، وتوغو وغانا من الجنوب ، وساحل العاج من الجنوب الغربي . وتقع ضمن دول الصحراء الكبرى في افريقيا . وتبلغ مساحتها ( ٢٧٤,٢٠٠  ) كم مربع ، ويبلغ عدد سكانها حوالي ( ٢٢ ) مليون نسمة . كان الدخل الإجمالي القومي السنوي لجمهورية بوركينا فاسو قبل النهضة  الأولى يتراوح بين ( ٣٨٧– ٦٥٧ ) مليون دولار أمريكي سنوياً فقط . وبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي السنوي حوالي ( ١٢٥ ) دولاراً أمريكياً  سنوياً لا غير

 

أما بعد النهضة الأولى فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي — وتحديداً في عام ٢٠٢١ —  لجمهورية بوركينا فاسو حوالي ( ١٨ ) مليار دولار أمريكي . وإرتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي  الإجمالي السنوي الى حوالي ( ٩٠٠ ) دولار أمريكي

 

وهنا نتساءل عن السبب الذي أدى الى هذه القفزة الكبيرة في الناتج المحلي الإجمالي ، وفي متوسط دخل الفرد ؟ وهنا تبدأ القصة

 

بدأت تجربة بوركينا فاسو النهضوية (( الثانية))  في عام ٢٠٢٢ ، عندما تولى السلطة فيها النقيب الشاب / إبراهيم تراوري . وأصبح نهجه نموذجاً فريداً ومثيراً للجدل في التحرر الوطني ، والسعي نحو السيادة الإقتصادية ، وتحقق النهضة الزراعية ، وسط تحديات أمنية وسياسية جسيمة . أولى الخطوات التي تم إتخاذها تمثلت في الإنفكاك عن ( التبعية ) الفرنسية ، حيث إتخذت القيادة خطوات حاسمة بإنهاء النفوذ العسكري والسياسي الفرنسي ، عبر طرد القوات الفرنسية ، وفسخ الإتفاقيات الثنائية القديمة ، وصولاً الى إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية رسمياً . وإعلان السيادة الوطنية ، وإتخاذ قرار سيادي برفض التدخلات الخارجية ، والتوجه نحو بناء تحالفات إقليمية بديلة ، لتعزيز الأمن القومي ، والسيادة المطلقة

 

كانت البلاد تعاني من فقر مدقع ، وأمية متفشية ، وتبعية إقتصادية كاملة لفرنسا . كما عانت البلاد من سلسلة إنقلابات عسكرية هشة

 

وبدأت مرحلة جديدة تمثلت في : محاربة الفساد المالي والإداري ، ودعم الإنتاج المحلي ، وإعادة هيكلة الإدارة العامة ، ورفض الإقتراض من صندوق النقد الدولي ، والإعتماد على التمويل الذاتي ، ووضع خطة للإكتفاء الذاتي من الحبوب ، وإطلاق خططاً زراعية طموحة ومكثفة لدعم الفلاحين المحليين ، ومضاعفة الإنتاج ، حيث تم توزيع آلاف الأطنان من الأسمدة الزراعية والبذور ومئات الآلات الزراعية مجاناً على المزارعين ، وتم إفتتاح مشاريع تصنيع غذائي ، مثل مصانع البندورة والبصل لتقليل الفاقد ، والعمل على إعادة توجيه موارد الدولة وعائدات التعدين والذهب لتمويل مشاريع التنمية الداخلية بدلاً من إستنزافها لصالح الشركات الأجنبية . وإطلاق عشرات المشاريع الكبرى في قطاعات الطاقة ، والطرق ، والمياة للنهوض بالدولة الحبيسة التي لا تملك منفذاً بحرياً

 

واجهت بوركينا فاسو تحديات كبرى وضغوطاً أمنية هائلة جراء نشاط الجماعات المسلحة المتطرفة ، مما جعل المعركة الأمنية موازية لمعركة البناء والتنمية . ورغم المؤشرات الإيجابية في بعض القطاعات ، تبقى نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الزراعة الموسمية البحتة وسط تحديات التغير المناخي والفقر المزمن . حيث يختلف معدل السقوط المطري السنوي ويتراوح بين ( ٢٥٠ — ٨٤٠ ) ملم ، فهناك مناطق تعتبر شبه قاحلة

 

وفي عام ٢٠٢٥ ، حققت بوركينا فاسو مؤشرات إقتصادية وتنموية قوية ، تعكس بداية مرحلة تحول ونهضة محلية رغم التحديات الأمنية المعقدة . وجاءت هذه القفزة مدفوعة بالتركيز على السيادة الإقتصادية ، والإنتاج المحلي ، وإعادة هيكلة قطاع التعدين

 

ومن أبرز مؤشرات النهضة التي وصلت اليها بوركينا فاسو ، ما يلي:— 

قفز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ليصل الى ( ٦,٣ ٪؜ ) ، في عام ٢٠٢٥ ، مقارنة بنحو ( ٤,٨ ٪؜ ) في عام ٢٠٢٤ ، و ( ٣٪؜ ) في عام ٢٠٢٣

بلغ الناتج المحلي الإجمالي حوالي ( ٢٧,٦٣ ) مليار دولاراً أمريكياً

إنخفاض معدل التضخم بشكل ملحوظ من مستويات قياسية تفوق ( ١٤ ٪؜ ) في عام ٢٠٢٢ ، الى نحو ( ٠,٥٪؜ ) في عام ٢٠٢٥

إرتفاع إنتاج الذهب الى مستوى قياسي وتاريخي ، حيث قفز إنتاج الذهب بنسبة ( ٥٨٪؜ ) ليصل الى ( ٩٤ ) طناً عام ٢٠٢٥ ، بزيادة تزيد عن ( ٣٠ ) طناً

حقق القطاع الزراعي نمواً بنسبة ( ١٨ ٪؜ ) وبلغ إنتاج الحبوب (  ٧,١٥ ) ملايين طن ، وهو ما غطى ( ١٢٦ ٪؜ ) من الإحتياجات المحلية للبلاد

إرتفعت مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي لتصل الى ( ٣٢,٩٪؜ ) ، مقارنة ب ( ٢٤,٤ ٪؜ ) في السنوات السابقة ، مما يظهر تسارع وتيرة التصنيع

إرتفعت نسبة وصول السكان الى مياة الشرب النظيفة الى ( ٧٨,٩ ٪؜ )

إنخفاض معدل الفقر المدقع من ( ٣٥٪؜ ) عام ٢٠٢٢ ، الى نحو ( ٣٠٪؜ ) عام ٢٠٢٥ ، بالتوازي مع التوسع في تقديم برامج التأمين الصحي

أقرت الحكومة موازنة عام ٢٠٢٥ بالتركيز الكامل على ثلاثة قطاعات رئيسية هي :— التعليم وخُصصت له النسبة الكبرى ( ٢٨,٣٤ ٪؜ ) . والدفاع والأمن وخصص له ( ٢٧,٧٦ ٪؜ ) . والصحة خُصص لها ( ١١,٧٩ ٪؜ )

 

عندما تتوافر الإدارة الرشيدة ، والإرادة الحصيفة ، بالإضافة الى العزيمة والإصرار على النهوض بالأوطان ، فلا عقبات تعيق المسيرة مهما بلغت تعقيداتها  . والتخلص من التبعية للغير ، وتوافر قيادة وطنية ، والركون إلى الإمكانيات الوطنية ، وتوظيفها بشكل صحيح ، ومكافحة الفساد ، وإعتماد الإنجاز كمقياس وحيد للأداء ، بالإضافة الى تحقيق العدالة ، هي أسس النهضة الحقيقية لنهوض الأوطان .