"النهج".. حينما يُغيّب الشعب وتُهندس الإرادة !!!
بقلم د. أحمد زياد أبو
غنيمة
(سُطرتُ هذه الحروف بوازعٍ من غيرةٍ وطنيةٍ
خالصة، وإبراءً للذمة أمام الله والوطن والشعب؛ عسى أن تجد طريقها يوماً إلى بصائر
أصحاب القرار في وطننا العزيز)
****
يعيش الشارع الأردني في
هذه الأيام حالة من الاستياء غير المسبوق؛ حالة تتجاوز مجرد التذمر العابر لتعبر
عن شعور عميق بالإحباط والخذلان المتراكم.
لم يعد المواطن الأردني
اليوم يواجه فقط قسوة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها الحكومات
المتعاقبة، بل بات يعاني من مرارة "اليُتم السياسي" في ظل غياب مجلس
النواب عن دوره الحقيقي والرقابي.
هذا المجلس الذي يُفترض
به أن يكون المدافع الأول عن حقوق الأردنيين، والمنتصر لهم في وجه التغول الحكومي،
أمسى الغائب الأبرز عن هموم المواطن وتطلعاته.
والمفارقة العجيبة
والمؤلمة في آن معاً، أن هذا البرلمان قد انقلب على دوره الدستوري الأصيل؛ فبدلاً
من أن يحاسب ويراقب، أصبح هو ذاته من يتولى الدفاع بشراسة عن سياسات الحكومات
وإخفاقاتها. وبدلاً من أن يقف سداً منيعاً في وجه التغول التنفيذي على جيوب
المواطنين وحقوقهم، بات يبرّر القرارات المجحفة، ويشرعن التراجع، وكأنه جناح
تنفيذي أو ناطق رسمي باسم الحكومة، لا ممثلاً حراً عن الشعب وصوتاً لآلامه.
****
قد تبدو هذه الأسباب هي
الطافية على السطح، والتي يراها المواطن في يومياته الصعبة؛ غير أن الحقيقة التي
لا يمكن تغطيتها بغربال هي أن الأزمة أعمق بكثير من حكومة ترحل وأخرى تأتي.
إن السبب الحقيقي
والجذري لكل ما نعانيه يكمن في "النهج" الذي تُدار به شؤون البلد؛ هذا
النهج الذي جُرب مراراً وتكراراً، وأثبت فشله الذريع على مدار سنوات طويلة، مورداً
إيانا موارد التراجع على كافة الصعد.
****
إن الخلاص من هذا
المأزق لم يعد ممكناً عبر ترقيعات شكلية أو مسكنات مؤقتة، فلا حل أمامنا إلا
بالعودة إلى المربع الأول:
العودة للشعب ليكون هو
"مصدر السلطات" الحقيقي، قولاً وفعلاً.
هذا الاستحقاق يتطلب
إرادة جادة لإفراز برلمان حقيقي يمثل الإرادة الشعبية الحرة، بعيداً عن مقص
"الهندسة" والتدخلات التي شوهت الحياة السياسية وأفرغتها من مضمونها.
كما يتطلب وبشكل عاجل،
عودة النقابات المهنية لتمارس دورها المهني والوطني الحقيقي والطليعي، بعد أن
سُلبت إرادتها وأصبحت بعض مجالسها بالتعيين و" الهندسة"، وقراراتها
تُطبخ وتُدار من غرف مغلقة خارج الجسم النقابي، مما أفقدها بوصلتها وتأثيرها
التاريخي في حماية الوطن والمواطن.
****
وفي خضم هذا المشهد
الداخلي المأزوم، يجب ألا ننسى بأي حال من الأحوال العدو الصهيو.ني الذي يتربص بنا
صباح مساء؛ فمخططاته التوسعية لم تعد تخفى على أحد. لذلك، فإن كل ما ندعو إليه
ونطالب به من ضرورة "تغيير النهج"، إنما يصب في الهدف الوطني الأسمى، ألا
وهو تمتين الجبهة الداخلية الأردنية وتصليبها، لنكون جاهزين ومتيقظين على الدوام
لمواجهة هذا الخطر الحقيقي والوجودي الذي يتهددنا، والذي لا يمكن التصدي له بجبهة
داخلية محبطة أو مسلوبة الإرادة.
****
ختاماً..
يجب أن ندرك حقيقة
وطنية لا تقبل المساومة؛ إن مؤسسات الدولة بكافة أشكالها، يجب أن ينظر إليها
المواطن الأردني دائماً على أنها "صمام أمان" يحمي حقوقه ومستقبله،
ويضمن استقرار الوطن ونهضته.
لا يجوز بأي حال من
الأحوال، ونتيجة لتعنت النهج السياسي وتغييب الإرادة الشعبية، أن تتحول هذه
المؤسسات في وجدان الأردنيين إلى "صاعق تفجير" يهدد السلم المجتمعي.
إن حماية الأردن تتطلب
بناء جسور الثقة الحقيقية، لتبقى مؤسساتنا الوطنية الحصن المنيع الذي نلجأ إليه،
لا الخصم الذي نقف في مواجهته.

























