عندما يصف الجولاني قتلى "الطوفان" الاسرائيليين بـ"الأبرياء"!
د. طـارق سـامي خـوري
تحدث أحمد الجولاني،
رئيس إدارة الأمر الواقع في سوريا، عن الإسرائيليين الذين تعرضوا لهجوم السابع من
أكتوبر، مستخدماً وصف «الأبرياء»، وقال: «أتفهم ما جرى في السابع من أكتوبر وما
جرى لبعض الناس الأبرياء».
وهنا أختلف معه جذرياً.
من يختار أن يعيش في
مستوطنة أُقيمت في سياق الاحتلال والاستيطان لا أراه بريئاً من مشروع الاستيطان
نفسه. هو اختار أن يكون جزءاً من مشروع يفرض واقعاً على الأرض ويقوم على اقتلاع
شعب وحرمانه من أرضه وحقوقه. بل إنني أذهب أبعد من ذلك: كل من يقبل أن يعيش على
أرض محتلة، أُخذت من شعب آخر بالقوة وأن أصحابها حُرموا منها، لا يمكن في نظري
فصله عن واقع الاحتلال الذي اختار أن يعيش في ظله ويستفيد من نتائجه. فالبراءة من
الاحتلال لا تنسجم مع القبول بمكاسبه والعيش على أرضٍ انتُزعت من أصحابها.
أما قانونياً، فالمستوطنات
المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا
تتمتع بأي شرعية قانونية، وقد أكد مجلس الأمن أنها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون
الدولي.
لذلك فإن اعتراضي على
كلام الجولاني واضح: لا يجوز اختزال السابع من أكتوبر بعبارة عاطفية عن «الأبرياء»
مع تجاهل أصل الصراع والاحتلال والاستيطان وما سبقه من عقود من القتل والاقتلاع
والحصار.
قد يصف القانون شخصاً
ما بأنه مدني، لكن وصفه بأنه «بريء» حكم سياسي وأخلاقي مختلف تماماً. وأنا لا أضع
من اختار المشاركة في مشروع استيطاني إحلالي، بالسكن والاستقرار فيه، في الموقع
الأخلاقي نفسه لمن يعيش على أرضه ويقاوم اقتلاعه منها.
يا أحمد الجولاني، يبدو
أنك نسيت من هي سوريا وماذا تمثل، ونسيت كرامة الشعب السوري وذاكرته التي لم تكن
يوماً ذاكرة خضوع.
سوريا هي ميسلون ويوسف
العظمة الذي خرج إلى المعركة وهو يعرف اختلال ميزان القوة، لكنه عرف أيضاً أن
للأوطان كرامة لا تُقاس بموازين القوة وحدها. سوريا هي سلطان باشا الأطرش والثورة
السورية الكبرى، وهي إبراهيم هنانو وثورته ضد الانتداب، وهي تاريخ طويل من رفض
الاحتلال والهيمنة والتنازل عن الأرض.
سوريا ليست دولة بلا
ذاكرة حتى يُعاد تعريف عدوها، ولا أرضاً بلا تاريخ حتى يصبح المحتل جاراً
والمستوطن «بريئاً».
هذه سوريا العز
والكرامة والمقاومة. سوريا التي تعرف أن الأرض لا تُمنح للمحتل، وأن الاحتلال لا
يتحول بتبدل الكلمات إلى أمر طبيعي.
قد تتغير السلطات،
وتتبدل الأسماء والمواقع والتحالفات، لكن سوريا أكبر من الجميع، وكرامة شعبها أبقى
من الجميع.
فلا تنسَ سوريا وأنت
تتحدث باسمها.

























