شريط الأخبار
انتخاب الطهراوي وابورمان مساعدين لرئيس مجلس النواب نيابة أمن الدولة توجه 7 تهم لمتهمي العمل الإرهابي بكنيسة حمود.. وتحيلها للمحكمة الغويري نائبا ثانيا لرئيس مجلس النواب أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين… اعتماد دولي جديد يرسّخ مسيرة التميّز ويعزّز الاستثمار في مستقبل التعليم برعاية الفوسفات .. إنطلاق أعمال المؤتمر الفني الدولي 38 للاتحاد العربي للأسمدة والمعرض المصاحب الحيصة: أكثر من 650 موقعا للحصاد المائي في الأردن بسعة 150 مليون م3 الأميرة غيداء ضمن قائمة "OncoDaily" العالمية لأكثر 100 امرأة تأثيراً في مجال الأورام أدوية الحكمة تستثمر 267 مليون دولار في توسعها بالولايات المتحدة تمديد حملة الشتاء للتفتيش على المركبات لمدة اسبوع بدء انتخاب النائب الثاني لرئيس النواب.. وثلاثة مرشحين النائب هديب: الصوت الاضافي في انتخابات الرئاسة لم يكن له اي تأثير بين ضغوط نتنياهو وحسابات ترمب.. هل تقترب المواجهة مع إيران من الخيار النووي؟ كارلسون يثير ضجة عالمية بتحذيره من ضربة نووية امريكية لموقع ايراني غارات أمريكية على جزيرة قشم وإيران تعلن اسقاط طائرتي استطلاع الصقور يعترض على نتائج انتخابات رئاسة النواب وفرق الصوت "الحائر"! إنتبهوا .. تعليمنا: من إنتاج الكراهية إلى بناء التفاهمات! تجارة عمّان: خطاب العرش يؤكد أن أمن الوطن وسيادة القانون أساس الاستقرار والتنمية ولي العهد يلتقي ولي العهد السعودي في الرياض الأحزاب والكتل النيابية في الأردن… اختبار الجدية أم عودة إلى الكتل الهلامية؟ إطلاق اسم «كنيسة الشهداء» على كنيسة حمود وفاءً لدماء الشهداء

الأمير عبد الإله: الوصي الذي بقي في قلب الحكم العراقي

الأمير عبد الإله: الوصي الذي بقي في قلب الحكم العراقي


بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد

في صباح 14 تموز 1958، قُتل الملك فيصل الثاني وخاله الأمير عبد الإله في قصر الرحاب ببغداد، وانتهى الحكم الملكي في العراق. جمعتهما النهاية نفسها، لكن لكل منهما سيرة تستحق أن تُقرأ على حدة. فقد تولّى عبد الإله الوصاية طوال طفولة فيصل وشبابه، ثم بقي مؤثراً في شؤون الحكم بعد أن تسلّم الملك سلطاته الدستورية. ومن خلال سيرته يمكن فهم علاقة القصر العراقي بالحكومات والجيش والأحزاب والشارع، في سنوات شهدت الحرب والاحتجاجات ومشروعات الإعمار معاً. 

كان الأمير عبد الإله ابن الملك علي بن الحسين، آخر ملوك الحجاز، وشقيق الملكة عالية، زوجة الملك غازي. وعندما توفي غازي في حادث سيارة في نيسان 1939، انتقل العرش إلى ابنه فيصل الثاني، الذي لم يكن قد بلغ الرابعة من عمره. عندئذ تولّى خاله عبد الإله الوصاية. ولم تكن مهمته مجرد رعاية شؤون ملك صغير؛ فقد أصبح طرفاً في إدارة دولة تتنافس داخلها الزعامات السياسية، ويزداد فيها نفوذ الضباط، بينما تحتفظ بريطانيا بتأثير واسع بموجب معاهدة 1930.

أزمة 1941: عودة إلى الحكم بثمن سياسي

ظهر عمق الخلاف حول اتجاه العراق خلال الحرب العالمية الثانية. ففي آذار 1940 تولّى رشيد عالي الكيلاني رئاسة الحكومة وسط تصاعد نفوذ التيار القومي وضباط «المربع الذهبي». حاول الوصي التعامل مع موازين القوى القائمة، لكن الخلاف اشتد بشأن العلاقة مع بريطانيا وموقف العراق من الحرب. وفي نيسان 1941، أطاح الكيلاني والضباط المساندون له بالترتيبات السياسية القائمة، وغادر عبد الإله العراق. ثم اندلعت الحرب العراقية البريطانية، وعاد الوصي إلى بغداد بعد سقوط حكومة الكيلاني في نهاية أيار. 

استعاد عبد الإله منصبه، لكن عودته عقب التدخل العسكري البريطاني أضعفت موقعه لدى قطاعات من العراقيين، ولا سيما داخل الجيش والتيار القومي. ومنذ ذلك الحين، صار من الصعب فصل الجدل حول سياسات القصر عن الجدل حول النفوذ البريطاني. لم يكن جميع معارضي الوصي على موقف واحد، كما أن الخلاف معه لم يقتصر على السياسة الخارجية؛ لكن أزمة 1941 تركت أثراً عميقاً في علاقة الحكم الملكي بخصومه. 

الأحزاب والطلبة: السياسة خارج القصر

لم تكن الحياة السياسية العراقية محصورة في لقاءات القصر وتشكيل الوزارات. فبعد الحرب العالمية الثانية، ارتفعت المطالبة بالحريات والإصلاح، وسُمح مجدداً بتشكيل أحزاب سياسية عام 1946. ومن أبرز القوى التي ظهرت في هذه المرحلة الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي، وحزب الاستقلال ذي التوجه القومي العربي، وحزب الأحرار المرتبط بتوفيق السويدي، وحزب الشعب بقيادة عزيز شريف، وحزب الاتحاد الوطني المرتبط بعبد الفتاح إبراهيم. اختلفت هذه الأحزاب في برامجها ومواقفها من الحكومات؛ فلا يصح جمعها في كتلة معارضة واحدة، أو افتراض أن حصول حزب على إجازة ضمن له حرية العمل على الدوام. فقد تعرّض نشاط بعض الأحزاب للتقييد والإغلاق مع احتدام الخلاف السياسي. 

وفي المقابل، وُجدت تنظيمات لم تعمل ضمن الإطار الحزبي العلني المسموح به، في مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، الذي حافظ على نشاط سري وصلات بالحركة العمالية والطلابية. وتأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1946، معبّراً عن اتجاه قومي كردي له مساره السياسي الخاص. أما حزب البعث، فلم يكن من الأحزاب التي أُجيزت عند فتح المجال الحزبي سنة 1946؛ إذ تبلور تنظيمه العراقي لاحقاً، وبرز فؤاد الركابي في قيادته مطلع الخمسينيات. ومن ثم فإن مكانه في قصة عهد عبد الإله هو ضمن القوى التي أخذت تنمو في السنوات الأخيرة من الحكم الملكي، لا ضمن قائمة الأحزاب المجازة فور انتهاء الحرب. 

كان الطلبة جزءاً بارزاً من هذه الحياة السياسية. انخرط بعضهم في الأحزاب العلنية، واقترب آخرون من التنظيمات السرية أو الحركات القومية، لكن احتجاجاتهم لم تكن كلها صادرة عن حزب بعينه. وتحولت المدارس والكليات، مع الصحافة والنقابات، إلى ساحات للنقاش والتظاهر. وعبّر كثير من الطلاب عن قلق جيل ازدادت فرصه في التعليم، بينما رأى أن فرص العمل والمشاركة في القرار لا تنمو بالقدر نفسه. 

وثبة كانون الثاني 1948

وقّعت الحكومة العراقية في كانون الثاني 1948 معاهدة بورتسموث مع بريطانيا، في محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين البلدين. لكن قطاعاً واسعاً من العراقيين رأى فيها استمراراً للنفوذ البريطاني، فانطلقت احتجاجات عُرفت باسم «الوثبة». شارك فيها طلبة وأحزاب وقوى اجتماعية، واتسعت في ظل الغلاء ونقص الخبز والاستياء من القيود السياسية. وانتهت الأزمة بالتراجع عن المعاهدة، لكنها طرحت سؤالاً أكبر: هل تستطيع السلطة الاستجابة لمطالب المجتمع عبر مؤسساتها، قبل أن تتحول الخلافات إلى مواجهة في الشارع؟ 

وتكشف الوثبة أيضاً أن عبد الإله ونوري السعيد لم يكونا دائماً على رأي واحد. فبحسب الدراسة التاريخية، مال الوصي بعد الاحتجاجات إلى معالجة أقل تشدداً من النهج الذي فضّله نوري السعيد. غير أن هذا الاختلاف لم يغيّر الصورة العامة لدى كثير من المعارضين، الذين حمّلوا القصر والحكومات معاً مسؤولية استمرار النفوذ البريطاني وضيق الحياة السياسية. 

مشروعات الإعمار: ما أُنجز وما لم يصل إلى الناس

من الإنصاف ألا تُروى تلك الحقبة بوصفها سلسلة أزمات سياسية فقط. فقد شهد العراق توسعاً في التعليم والإدارة والخدمات، ثم أتاحت زيادة إيرادات النفط في أوائل الخمسينيات تمويل خطط أوسع للبنية التحتية والزراعة والمرافق العامة عبر مجلس الإعمار. وارتفعت موارد الدولة بعد اتفاق النفط لعام 1952، الذي منحها حصة أكبر من أرباح الشركات. كانت لدى العراق موارد وقدرات لبناء اقتصاد أكثر تطوراً، وبدأ بالفعل تنفيذ مشروعات في قطاعات متعددة. 

لكن قيام منشأة جديدة لا يكفي وحده للحكم على أثر الإعمار. فقد ظل الفقر والتفاوت بين المدن والأرياف، وتركّز ملكية الأرض، والغلاء، وضعف فرص كثير من المتعلمين، مسائل ضاغطة. ولم تُترجم زيادة إيرادات النفط بالسرعة والعدل اللذين انتظرهما الناس إلى تحسن ملموس في حياتهم. وهنا ظهرت إحدى مفارقات العهد الملكي: دولة تخطط للبناء وتزداد مواردها، بينما يتسع شعور قطاعات من مواطنيها بأن نصيبهم من القرار والثروة محدود. 

بعد انتهاء الوصاية

في 2 أيار 1953 تسلّم الملك فيصل الثاني سلطاته الدستورية، فانتهت وصاية عبد الإله رسمياً. لكن انتهاء المنصب لم يُنهِ نفوذ صاحبه. فقد بقي الأمير قريباً من الملك، وحاضراً في حسابات القصر واتجاه السياسة العامة، إلى جانب شخصيات نافذة، في مقدمتها نوري السعيد. ومن المهم التمييز بين السلطة الدستورية التي أصبحت للملك والتأثير السياسي الذي احتفظ به الوصي السابق؛ فهما ليسا الشيء نفسه.

ازدادت صعوبة الحكم في السنوات التالية. أثار دخول العراق حلف بغداد عام 1955 معارضة قومية واسعة، وجاء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ليزيد الغضب من ارتباطات الحكومة الغربية. وفي المقابل، رأى أنصار سياسة القصر أن العراق يحتاج إلى تحالفات تحمي أمنه وتدعم موقعه الإقليمي. وبين هذين التصورين، لم تنجح السلطة في بناء ثقة سياسية كافية لاستيعاب المعارضة. ومع تضييق العمل الحزبي العلني، واصلت قوى مختلفة نشاطها بطرق أخرى، وأخذ بعض الضباط يقتنعون بأن التغيير لن يأتي عبر المؤسسات القائمة. 

نهاية عهد، وسؤال بقي بعده

في 14 تموز 1958 تحرك ضباط من الجيش إلى بغداد، وأعلنوا إسقاط الملكية. قُتل عبد الإله مع الملك فيصل الثاني وعدد من أفراد الأسرة المالكة. كانت نهاية عنيفة لشخصية شاركت في توجيه الحكم العراقي قرابة عقدين، ونهاية لدولة لم تستطع، رغم مؤسساتها ومشروعاتها ومواردها المتزايدة، تسوية الخلاف المتصاعد بينها وبين قوى سياسية واجتماعية وعسكرية مؤثرة. 

لا تُفهم سيرة عبد الإله من خلال نهايته وحدها. لقد واجه أزمات حقيقية، وتعامل مع قوى متنافسة، وعاصر بدايات إعمار كان يمكن أن تترك أثراً أوسع. لكنه ظل أيضاً في مركز نظام لم ينجح في فتح المجال السياسي بما يكفي أو في إقناع كثير من العراقيين بأن التنمية تقترن بالمشاركة والعدالة. تلك هي المسألة التي تجعل دراسة عهده مهمة حتى اليوم.

أما الملك فيصل الثاني، الذي شاركه النهاية، فلا ينبغي أن تبقى سيرته ملحقة بسيرة خاله. سنخصّص له مقالاً مستقلاً نتناول فيه نشأته في ظل الوصاية، وتسلّمه سلطاته الدستورية، وما استطاع فعله خلال السنوات الخمس الأخيرة من الحكم الملكي في العراق.