هالة الجراح تكتب : جبهة تحرس الحدود وضمير يحمل القدس
ينطلق الأردن في رؤيته الوطنية
والاستراتيجية من ثوابت راسخة، في مقدمتها حماية الجبهة الداخلية، وصون الأمن
الوطني، والحفاظ على سيادة الدولة وحدودها ومقدراتها، في مواجهة مختلف التحديات
والمخاطر التي تشهدها المنطقة.
ومن هذا المنطلق، جاء خطاب
جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليعيد التأكيد على
معادلة أردنية واضحة، عنوانها أن قوة الموقف الخارجي تبدأ من قوة الجبهة الداخلية،
وأن الدفاع عن القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لا ينفصل عن حماية
الأردن وأمنه واستقراره ومصالحه العليا.
لقد وضع جلالة الملك أمن الأردن
في مقدمة الأولويات، ووجه رسائل واضحة بشأن حماية الحدود والسيادة الوطنية، مؤكدا
أن المملكة لن تسمح بفرض وقائع أو تهديدات تمس أمنها أو استقرارها. فالأردن الذي
عرف تاريخيا بدوره المسؤول في التعامل مع أزمات المنطقة، يدرك أن التحولات
الإقليمية المتسارعة تتطلب يقظة دائمة واستعدادا لحماية الوطن ومقدراته.
ولم يكن الأمن المائي بعيدا عن
هذا الخطاب، إذ أكد جلالة الملك أن المياه والموارد الحيوية تشكل جزءا اساسيا من
منظومة الأمن الوطني الأردني، وأن حماية هذه الموارد والدفاع عن حقوق الأردن فيها
مسؤولية وطنية لا تقبل التهاون. وفي ظل ما تواجهه المملكة من تحديات مائية وضغوط
متزايدة، فإن طرح هذا الملف على المنبر الدولي يعكس إدراكا لحقيقة أن الأمن المائي
أصبح أحد أبرز عناصر الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي الوقت الذي يضع فيه الأردن
أمنه الوطني وحدوده ومصالحه في صدارة أولوياته، فإنه لم يتخل يوما عن دوره تجاه
قضايا أمته، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فالأردن لا ينظر إلى القضية
الفلسطينية باعتبارها ملفا سياسيا عابرا، وإنما باعتبارها قضية مركزية ترتبط بأمن
المنطقة واستقرارها ومستقبلها.
ومن على منبر الأمم المتحدة،
حمل جلالة الملك صوت الأردن الواضح في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، مؤكدا أن
السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من خلال إدارة الصراع أو تأجيل الحلول، وإنما عبر
معالجة جذوره، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة
على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشرقية، وفقا للمرجعيات الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز الدور
الأردني في الدفاع عن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، انطلاقا من الوصاية
الهاشمية التاريخية التي تشكل مسؤولية متواصلة تجاه المقدسات والحفاظ على هويتها
ووضعها التاريخي والقانوني. فالقدس بالنسبة للأردن ليست مجرد عنوان في الخطاب
السياسي، بل جزء من الوجدان الوطني والقومي، وقضية ترتبط بالهوية العربية والإسلامية
وبحقوق الشعب الفلسطيني.
كما أن ثبات الموقف الأردني
تجاه القضية الفلسطينية يترافق مع رفض واضح لأي محاولات تستهدف تغيير التركيبة
السياسية والجغرافية للمنطقة أو تحميل الأردن نتائج أزمات لم يكن طرفا فيها.
فالأردن، الذي تحمل على مدى عقود أعباء كبيرة نتيجة أزمات المنطقة واستضاف ملايين
اللاجئين، يؤكد باستمرار أن استقراره وسيادته وقراره الوطني ليست موضعا للمساومة.
وتكشف هذه المعادلة عن طبيعة
الدور الأردني في الإقليم؛ دولة تحمي حدودها وأمنها ومصالحها، وفي الوقت ذاته
تتمسك بدورها العربي والإنساني، وتدافع عن قضايا المنطقة بالوسائل السياسية
والدبلوماسية، وتدعو إلى احترام القانون الدولي وسيادة الدول وحق الشعوب في تقرير
مصيرها.
إن الرسالة التي حملها الخطاب
الملكي إلى المجتمع الدولي تقوم على حقيقة أساسية مفادها أن الأردن يعرف تماما أين
تقف مصالحه الوطنية، كما يعرف حجم مسؤولياته تجاه قضايا أمته. ولذلك فإن حماية
الحدود والأمن المائي والسيادة الوطنية لا تتعارض مع الدفاع عن فلسطين والقدس، بل
تشكل جميعها منظومة واحدة عنوانها حماية الأردن وصون دوره ومواقفه وثوابته.
وفي هذه المعادلة، تبقى القوات
المسلحة الأردنية - الجيش العربي والأجهزة الأمنية عنوانا للجاهزية والانضباط
وحماية الوطن، فيما يشكل وعي الأردنيين وتماسك الجبهة الداخلية ركيزة أساسية في
مواجهة التحديات. وهي معادلة تؤكد أن قوة الأردن لا تقوم على عنصر واحد، وإنما على
تكامل مؤسسات الدولة وتماسك المجتمع وثبات القيادة ووضوح الرؤية الوطنية.
لقد رسم الخطاب الملكي أمام
العالم صورة الأردن كما هو: دولة تحمي أمنها وسيادتها، وتدافع عن حقوقها ومصالحها،
وفي الوقت ذاته تحمل رسالة عربية وإنسانية واضحة تجاه فلسطين والقدس، وتتمسك
بالسلام العادل والاستقرار الإقليمي.
وهكذا يظل الأردن واقفا على
جبهة تحرس الحدود، وفي الوقت نفسه يحمل في ضميره القدس، موازنا بين حماية وطنه
والوفاء لدوره، وبين صون أمنه القومي والدفاع عن الحق والعدل والسلام، مستندا إلى
قيادة هاشمية كرست حضور الأردن كدولة ثابتة في مواقفها، واضحة في ثوابتها، ومسؤولة
في تعاملها مع قضايا المنطقة والعالم.
مساعد رئيس مجلس النواب النائب
هالة الجراح
























