الفلسفة الحوكمية لوصفي التل: قراءة استراتيجية بعقل رجل دولة فذّ.. ومقارنة بصاحب كتاب "فن الحرب"
إعداد: م. نبيل إبراهيم حدّاد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
يظل وصفي التل واحدًا من أبرز رجالات الدولة في تاريخ الأردن
الحديث؛ ليس فقط بسبب حضوره الكاريزمي ومواقفه الوطنية، بل بسبب منهجية واضحة في
بناء الدولة وإدارة مؤسساتها.
لقد كان قائدًا يجمع في شخصيته بين صرامة الجندي، ودقة
العالم، وخبرة الإداري، وبصيرة السياسي، وهدوء الدبلوماسي.
هذا المقال يتناول فلسفته في الحوكمة من زاوية تحليلية عميقة،
ويقارنها بمبادئ سن تزو، صاحب فن الحرب، بوصفهما يمثّلان نمطين متقاربين من
التفكير الاستراتيجي رغم البعد الزمني والجغرافي بينهما.
أولاً: المعرفة العميقة بالأردن، حجر الأساس في فلسفة وصفي
لم يكن وصفي التل مسؤولًا بعيدًا عن الناس أو واقع الأرض؛ بل
كان يعرف الأردن من شماله إلى جنوبه، ومن بواديه إلى قراه ومدنه.
عرف:
• تركيب المجتمع الأردني
وشبكاته التقليدية
• طبيعة القوة الظاهرة
والضمنية
• الأرض: سهولها وهضابها
وأوديتها ومناطق شحّها وغناها
• خصائص كل منطقة
واحتياجاتها
• المزاج الاجتماعي الأردني
وأولوياته
هذه المعرفة جعلته أكثر رؤساء الوزراء فهمًا لروح الأردن،
وجعلت مشاريعه وسياساته منسجمة مع الواقع المحلي لا منسوخة من نماذج خارجية.
كان يؤمن بأن: "المشروع الذي لا ينبع من الأرض والناس،
لا يخدم الدولة."
ولذلك كانت مشاريعه قابلة للتحقق لأنها مبنية على:
• المعرفة العلمية
• خبرته الميدانية
• فهمه لطبيعة الأردني
• إدراكه لقدرة الدولة
الفعلية على التنفيذ
• احترامه للبنية
الاجتماعية والثقافية القائمة
ثانيًا: الخلفية العلمية والعسكرية والدبلوماسية، عناصر شكّلت
العقل الإداري
1. العلم والمنهجية
درس وصفي التل العلوم الطبيعية، ما منحه تفكيرًا تحليليًا
سببيًا، قائمًا على: الملاحظة، التجربة، الاستنتاج، وربط النتائج بالمعطيات. وهذا
منح فلسفته الإدارية بُعدًا منطقيًا صارمًا.
2. الانضباط العسكري
خدم وصفي في: الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية
وجيش الإنقاذ العربي في حرب 1948. ومن هاتين التجربتين اكتسب: الانضباط، التنظيم،
قراءة الميدان، تقدير عامل الوقت، تقدير الموارد، وفهم الأمن الوطني من منظور شامل
3. الخبرة الدبلوماسية
عمل وصفي: في السفارة الأردنية في إيران ثم سفيرًا في العراق
وهذا منح فكره بُعدًا سياسيًا وإقليميًا جعله يرى الدولة ضمن
محيطها، لا بمعزل عنه.
ثالثًا: فلسفة الحوكمة عند وصفي التل
1. الانضباط الإداري
كان يؤمن بأن الدولة لا يمكن أن تعمل بكفاءة دون قواعد واضحة
والتزام مؤسسي.
2. الإنتاج مقابل الاستهلاك
رفض الاقتصاد الريعي، ودعا إلى: الزراعة، الصناعة، استصلاح
الأراضي، وتطوير الكفاءات
3. الدولة القادرة العادلة
كان يرى أن عدالة الدولة جزء من قوتها، وأن قوتها ليست للبطش،
بل لحماية الوطن.
4. الإنسان أساس المشروع
كان يعتقد أن: "الموظف الكفؤ أهم من الخطة
الكاملة." لأن الخطة بلا إنسان تتحول إلى ورق.
رابعًا: وصفي التل وإدارة العمليات والمشاريع قبل
أوانه طبّق
وصفي التل مبادئ إدارة المشاريع بوعي استباقي، قبل انتشار هذا العلم عالميًا:
1. دراسة نطاق المشروع
كان يبدأ من الأرض والناس. لم يكن يضع مشروعًا لا يفهم عوامله
الدقيقة.
2. إدارة الوقت
كان يعتبر التأخير مؤشرًا على ضعف في الإدارة.
.3 إدارة المخاطر
تعامل مع كل مشروع كمنظومة: الموارد، الوقت، المجتمع، الأرض،
العائد.
.4المتابعة الميدانية
لم يكن يكتفي بالتقارير؛ كان ينزل إلى الميدان.
5. مطابقة المشاريع مع
الواقع المحلي
وهنا يظهر أثر معرفته بأبجديات المجتمع الأردني، فالمشروع
الذي لا ينسجم مع البيئة محكوم عليه بالفشل.
خامسًا: وصفي التل وسن تزو، مقارنة فلسفية واستراتيجية
رغم الفارق الكبير بينهما، فإن منهجيهما يتقاطعان في مبادئ
جوهرية.
1. المعرفة قوة
سن تزو: "من يعرف الأرض والناس لا يُهزم." وصفي
التل: عرف الأردن بكل تفاصيله، وجعل المعرفة أساس الإدارة.
2. الواقعية في اتخاذ القرار
كلاهما يرفض القرارات التي لا تقوم على معطيات حقيقية.
3. الانضباط أساس الفعالية
سن تزو يرى الانضباط سر النصر. وصفي التل يرى الانضباط سر
بناء الدولة.
4. القيادة الأخلاقية
سن تزو: "غاية الحرب السلام." وصفي: "دولة
قوية لا تعتدي ولا يُعتدى عليها."
5. مركزية الإنسان
كلاهما يؤمن بأن نجاح المؤسسة يبدأ من الإنسان، لا من الخطة.
6. الإدارة كفن استراتيجي
سن تزو كتب فن الحرب لكنه مهّد لفن الإدارة. وصفي التل طبّق
فن الإدارة ببعد استراتيجي يشبه ما كتبه سن تزو، لكن في سياق الدولة الحديثة.
خلاصة شاملة
إن منهج وصفي التل هو منهج رجل دولة استراتيجي جمع بين:
العلم، الميدان، الإدارة، المعرفة العميقة بالأرض والناس، الانضباطـ الواقعية،
الرؤية الوطنية، والفكر المنتج، وقوة الدولة العادلة، وفلسفة القيادة المرتكزة على
المعرفة. إنه نموذج يُدرّس، ويصلح أن يكون مرجعًا لأي دولة تبحث عن مشروع وطني
يقوم على العمل لا الشعارات.













