محللو ليلة رأس السنة في الأردن: حين يصبح التخويف طقسًا سنويًا
إعداد: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
في كل ليلة رأس سنة، يتكرر المشهد ذاته بلا ملل.
شاشات تلفزيونية محلية وإقليمية، محللون محفوظون، ونبرة واحدة
لا تتغير:
الأردن مقبل على الأسوأ.
اقتصاد سينهار،
سياسة ستنفجر،
استقرار هش،
وتغييرات كبرى "قادمة لا محالة”.
يُقال هذا الكلام بثقة عالية، وكأنه حقيقة علمية، لا رأيًا
إعلاميًا عابرًا.
والأخطر: يُعاد تكراره عامًا بعد عام، حتى أصبح طقسًا
إعلاميًا موسميًا.
التخويف ليس تحليلًا
لنكن واضحين:
ما يُقدَّم في كثير من هذه البرامج ليس تحليلًا سياسيًا أو
اقتصاديًا، بل تسويق للخوف.
الخوف يرفع نسب المشاهدة.
التشاؤم يجذب التفاعل.
والكارثة المعلّقة دائمًا تضمن الحضور في الحلقة القادمة.
لكن من يطلق هذه "النبوءات”:
• لا يتحمّل مسؤولية قرار
• لا يدير مؤسسة
• لا يُحاسَب إن أخطأ
• ولا يعود لمراجعة ما قاله
في العام الماضي
في أي مهنة جادة، هذا يُسمّى فشلًا.
في الإعلام السياسي، يُسمّى "رأيًا”.
الأردن ليس حقل تجارب
الأمر يصبح أكثر استفزازًا حين يأتي هذا الخطاب من قنوات في
دول الجوار، تتعامل مع الأردن كأنه:
• حالة قابلة للانهيار
بالقياس
• أو امتداد لأزمات الآخرين
• أو مادة سهلة لملء فراغ
البرامج
يُسقِطون تجارب لا تشبه الأردن،
ويتجاهلون حقيقة بسيطة:
الأردن دولة تُدار، لا دولة تُترك للانفجار.
من لا يفهم طبيعة الدولة الأردنية،
لا يحق له الادعاء بفهم مستقبلها.
الضرر ليس نظريًا
هذا الخطاب لا يبقى في الاستوديو.
تكراره:
• يُربك ثقة المستثمر
• يُضعف قرار التوسّع لدى
القطاع الخاص
• يُغذي الشائعات
• ويزرع القلق لدى الشباب
ثم، بكل وقاحة تحليلية، يُقال لاحقًا:
"ألم نقل لكم إن الوضع
صعب؟”
نعم، يصبح صعبًا… حين يُضخ الخوف بدل العقل.
النقد حق… لكن التخويف خيانة مهنية
الأردن لا يخاف من النقد،
لكن هناك فرقًا صارخًا بين:
• نقد مسؤول يبحث عن حلول،
و
• خطاب تخويفي يعيش على
العناوين السوداء
الأول فعل وطني.
الثاني استهلاك إعلامي على حساب بلد بأكمله.
خلاصة لا تحتاج تزيينًا
الأردن لم يُبنَ بالشعارات،
ولم يستمر بالصدفة،
ولم يصمد لأنه محظوظ.
صمد لأنه يُدار بعقل،
ويُصلَح بتدرّج،
ويُمسك توازناته بحساب.
ما يحتاجه الأردن في 2026 ليس:
• محللين موسميين
• ولا نبوءات رأس السنة
• ولا تهويلًا إقليميًا
بل إعلامًا يعرف الفرق بين التحليل والتخويف،
وبين النقد والهدم.
لأن الدول لا تسقط بما يُقال عنها على الشاشات،
لكنها تُرهق حين يُصبح التخويف عادة.

















