شريط الأخبار
فايننشال تايمز: كيف تصدّع التحالف بين الإمارات والسعودية؟ "مستقلة الانتخاب": أحزاب أُوقف تمويلها وأخرى أُقيمت دعاوى لحلها ارتفاع موجودات صندوق استثمار الضمان إلى 18.6 مليار دينار نهاية 2025 الحكومة اليمنية تفرض قيوداً على حركة الطيران من الإمارات وحدة الجرائم الإلكترونية، تُحذّر من التعامل مع منصات التداول الوهمية غير المرخّصة تربص لشقيقته.. طعنها وسلب مجوهراتها في معان صناعة الاردن: مليار دولار القيمة الإجمالية لإنتاج قطاع صناعة الأسمدة في الأردن فلسطين 48: 2025 الأشد دموية بدائرة العنف والجريمة و255 ضحية والاحتلال يشجع محللو ليلة رأس السنة في الأردن: حين يصبح التخويف طقسًا سنويًا السجن ستة اشهر لصاحب محل زور رخصة مهن بالزرقاء يوم رابع من الاحتجاجات في ايران رفضا لغلاء المعيشة والسلطات تحذر محاولة ”زعزعة الأمن” الرئيس الصومالي: اسرائيل تسعى لتوطين الفلسطينيين قسرا في بلادنا والوصول لخليج عدن والبحر الاحمر المنخفض الجوي والامطار تبدأ من الشمال.. وتوقع امتدادها واشتدادها الى الوسطى والشمالية الشرقية اجتماع ترامب نتنياهو: مؤشرات لضوء امريكي اخضر "معلق" لضرب ايران وفاة طفلين شقيقين غرقا ببركة زراعية بالاغوار الامن العام: 22 الف قضية مخدرات العام وضبط 31 مليون حبة مخدرة 2025 نقابة الاطباء تبحث مع وزير التربية الزام المدارس الخاصة بتعيين طبيب تخفيض أسعار البنزين 20 فلسا والكاز 30 فلسا والديزل 60 العيسوي: الأردن بقيادة الملك نموذج راسخ في الثبات على المبادئ وصون الاستقرار الجيش يحبط أكثر من 418 محاولة تسلل وتهريب ويسقط 89 مسيّرة في 2025

ابعد من "أرض الصومال"

ابعد من أرض الصومال


كتب: عريب الرنتاوي

 

ليس الاهتمام الإسرائيلي بالقرن الأفريقي بجديد، بيد أنه تعاظم في سياقات ما بعد السابع من أكتوبر و"طوفان الأقصى"، سيما مع دخول أنصار الله على خط "الإسناد"، انتصاراً لغزة وأهلها ومقاومتها، ونجاحهم في تعطيل ميناء إيلات، الوحيد على شواطئ البحر الأحمر، وإرباك حركة الملاحة الإسرائيلية، وتلك المتجهة إلى إسرائيل، على نحو اعترفت معه تل أبيب، بجديته وخطورته.

هنا، يمكن النظر للقرار الإسرائيلي الاعتراف بـ"أرض الصومال"، دولة مستقلة ذات سيادة، بوصفه ابتداءً، محاولة للتعرّض للحوثيين من "المسافة صفر"، ذلك أن واحداً من أهم التحديات التي واجهتها إسرائيل، وهي تقوم بعمليات ثأرية وانتقامية ضد اليمن، إنما يتعلق ببعد المسافة، فالطيران الحربي الإسرائيلي كان يتعين عليه قطع مسافة تقارب الألفي كيلومتر، للوصول إلى أهدافه، قبل أن تكتشف تل أبيب، أن ليس في "بنك الداتا" الذي تتوفر عليه، ما يكفي من معلومات استخبارية عن اليمن والحركة الممسكة بتلابيب القرار والسلطة في شماله، إذ لم يكن يخطر ببالها يوماً، أن صواريخ أنصار الله ومسيّراتهم، ستصل إلى عمق فلسطين المحتلة، وتعطل مطار بن غوريون، مرات بدل المرة الواحدة....ثمة مصدر جديد للتهديد، تعمل تل أبيب على إغلاقه، والقرار بشأن "أرض الصومال" إنما يندرج في هذا السياق.

 

أبعد من أرض الصومال

على أن المراقب الحصيف للمشهد في القرن الأفريقي، وحسابات إسرائيل المنطلقة من نظريتها الجديدة لـ"الأمن القومي"، يخطئ إن هو نظر للقرار الإسرائيلي بوصفه محصوراً باستهداف الحوثيين، مع أن الحساب الإسرائيلي معهم، لم يغلق بعد، ولن يغلق حتى وإن صمتت المدافع نهائياً في قطاع غزة ... القرار الإسرائيلي بالاعتراف بـ"دولة" لا يَعترِف بها أحد، إنما يستهدف ضرب عدة عصافير بحجر واحد، وأهمها تهديد الأمن القومي لكلٍ من مصر والسعودية، ومحاصرة كل من تركيا وقطر، ودائماً إيران في قلب المهداف.

ولن تكتمل صورة ما حدث بين إسرائيل وأرض الصومال، من دون قراءة للمشهد الأكبر في الإقليم، فما يجري في جنوب اليمن، وتحديداً في المهرة وحضرموت، وما يشهده السودان من صراع دموي محتدم بين الجيش وقوات الدعم السريع "الجنجويد سابقاً"، وصولاً إلى حلف "الغاز والعسكر" شرقي المتوسط، تبدو كحلقات (اقرأ ساحات) مترابطة، يتفاعل على أرضها اللاعبون أنفسهم، ويتوزعون على المحاور والأحلاف ذاتها، وجميعها، تضع استهداف الأمن القومي والإقليمي للقوى العربية والإسلامية الفاعلة في صدارة الأولويات الإسرائيلية، وللأسف، بمشاركة عواصم عربية وقوى محلية نافذة.

وفي ظني أن انفجار الأزمة في جنوب اليمن، ودخول السعودية القوي، سياسياً وعسكرياً، على خط الصراع المحتدم فيه وعليه، إنما يشفٌّ عن إدراك متنامٍ لدى الرياض، بأن أمنها القومي، وسلامة حدودها، ودورها الإقليمي، إنما يقع في قلب ما يجري في القرن الأفريقي، وما لم تقله المملكة صراحة، قاله كتاب وإعلاميون مقربون من دوائر صنع القرار فيها، بأن إسرائيل تقف وراء هذه التطورات، متكئة على حلف غير معلن، وغير مقدس، مع أطراف عربية وإقليمية نافذة، وليس صدفة أن تكشف الخارجية السعودية عن دور لدولة "شقيقة" في استهداف أمنها القومي، وسنرى في قادمات الأيام، أحاديث متواترة على دور أثيوبي متنامٍ في هذا المشروع، ومن بوابة ميناء بربرة، وقد نرى في قادمات السنين، استعراضاً بحرياً للدولة "الداخلية" التي ظل ركوب البحر، حلم قياداتها، بعد انهيار الإمبراطورية، واستقلال إريتريا عن أديس أبابا.

مصر بدورها، تستشعر قدراً أكبر من التهديد، وهي والمملكة، إلى جانب تركيا وقطر، قادتا الجهد الدبلوماسي الرامي قطع الطريق على مفاعيل اعتراف إسرائيل بالإقليم الصومالي المنشق، فالقاهرة محاطة بحلقة (وليس قوسا) من الأزمات على حدودها الأربع....الأزمة الليبية لم تضع أوزارها بعد، والجنرال الذي يقود الشرق، مرتبط بالحلف الذي يغذي "الانفصالات" في كل من السودان والصومال واليمن، ولولا التسهيلات التي قدمها للدعم السريع، لما أمكن للأخير إسقاط دارفور وأجزاء من كردفان...والسودان على حدودها الجنوبية، بات مصدر تهديد جسيم للأمن القومي المصري، يستوجب رسم خطوط حمراء، تلتقي وتتماشى مع الخطوط السعودية فيه...أما باب المندب والقرن الأفريقي فهما ينبئان بتوسع للمحور ذاته...هنا، وفي مسألة أرض الصومال على وجه الخصوص، تنفرد مصر بقدر أكبر من القلق جراء تنامي النفوذ الأثيوبي، واحتمالات خروج أديس أبابا إلى البحر، مع بقاء أزمة "سد النهضة" على اشتعالها.

وعلى مقربة من أرض الإقليم الانفصالي، تتمتع كل من تركيا وقطر، بعلاقات ونفوذ لا يُنكران، في الصومال، والمؤكد أن البلدين الصديقين (الحليفين)، ينظران بعين الشك والريبة لما جرى ويجري على أرض الإقليم، ويتحسبان للحظة التي ستعلن فيها إسرائيل عن إنشاء قاعدة أو مراكز تجسس على أرضه، كما أنها تتحسبان للصلة الوثيقة والترابط الموضوعي القائم في دول الأزمات الأربع: ليبيا والصومال والسودان واليمن.

إيران التي تتزايد فرص استهدافها من جديد، بعد قمة ترامب – نتنياهو السادسة في واشنطن، وما يتسرب من معلومات عن ضوء أخضر أمريكياً مُنح لإسرائيل لاستئناف حرب الأيام الـ12 على إيران، ليست بعيدة عن دائرة الاستهداف الإسرائيلي، ومن "أرض الصومال" هذه المرة، ذلك أن تضييق الخناق على أنصار الله، وتقطيع سبل إمدادهم وتواصلهم مع الخارج، وفرض دور "شرطي المضيق"، وتقطيع سبل عودة العلاقات السودانية – الإيرانية، بعد سنوات من الجفاء، هي بصورة أو بأخرى، في قلب السعي الإسرائيلي للبحث عن موطئ قدم (مواطئ أقدام) في تلك الرقعة الاستراتيجية بالغة الأهمية.

من دون قراءة المشهد على هذا النحو، ومن خلال الصورة الأكبر، تصعب الإجابة على سؤال: لماذا أثار القرار الإسرائيلي كل هذه الموجات من ردود الأفعال في المنطقة، وعلى هذا النحو السريع.

أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن القرار ينظر إليه بعيون القلق من مغبة العودة لإنعاش مشروع التهجير القسري لأبنائهم وبناتهم، في غزة أولاً، وفي الضفة الغربية في طور لاحق، فإسرائيل التي لم تترك باباً إلا وطرقته، بحثاً عن "مراكز إيواء" جديدة للمهجرين قسراً، تجد في أرض الصومال، التي تزيد مساحتها عن مساحة كل من الأردن وفلسطين التاريخية ولبنان مجتمعة، ويقل سكانها عن سكان العاصمة الأردنية، عمان، ربما تكون وجدت ضالتها في الإقليم الانفصالي، ومقابل دراهم معدودات فقط، لتبدأ من جديد، في العمل على دفع الفلسطينيين خارج وطنهم، بعيداً عن أرضهم، إلى أرض الصومال.

 

ما الذي يتعين فعله؟

آن الأوان أولاً؛ لتسمية المُهددات بأسمائها وذكر مصادرها تصريحاً لا تلميحاً، فإسرائيل هي "مُحراك الشر" الذي يزعزع استقرار المنطقة، ويتهدد الأمن القومي لدولها الكبيرة والصغيرة، بدءاً من شرق المتوسط إلى بحر العرب، ومن قزوين إلى الخليج العربي، وإن لم تسقط أوهام السلام، ورهانات التعايش مع دولة العنصرية والإبادة والفاشية، لن يكتب لهذه المنطقة، لا أمن ولا استقرار ولا رفاه وازدهار.

ويتعين ثانياً؛ تحريم وتجريم التطبيع معها، ومن باب أولى، فكرة الانخراط معها في "تحالف" غير مُنزهٍ عن أبشع وأخطر النوايا والمرامي العدوانية، وهو تحالف أطل برأسه على أية حال، في جنوب اليمن وغرب السودان وجنوبه، والإقليم الانفصالي عن الصومال، كما كان حاضراً ومباركاً للحلف العسكري – الاستخباري – الاقتصادي، الذي استكمل تشكلاته بين إسرائيل وقبرص واليونان، وهي تشمل بالذات، الدول الأكثر تهافتاً على "التطبيع"، ومن يأتمر بأمرها من حركات ومليشيات.

والضرورة تقتضي ثالثاً؛ مواجهة جماعية لهذا التهديد، لا أن تترك كل دولة عربية وإسلامية، كبيرة أم صغيرة، لـمصيرها، "تقلّع شوكها بيدها"، فالصورة تكاد تتضح لكل أعمى وبصير، ثمة "محور شر" لا يريد خيراً لهذه الأمة، وقد آن أوان التحرك الجماعي لعزله واحتواء شروره، وعندما نقترح تحركاً جماعياً، لا نقصد قصره على الدول العربية، بل نرى توسيعه ليشمل تركيا كذلك، وربما إيران في مرحلة لاحقة، ليست بعيدة، ودائماً في إطار منظومة إقليمية للأمن والتعاون، تملأ فراغ المنطقة، وتؤسس لإعادة صياغتها، من قبل "الأمم الأربع" المؤسسة تاريخياً لها: عرباً وإيرانيين وأتراك وأكراد.

أما الخلاصة، فإن المشروع الإسرائيلي لتطويق الدول الفاعلة في المنطقة وإضعافها، ليس قدراً لا رادّ له، وهو بحكم طبيعته، يخلق أضّاده، ليس فقط على مستوى الدول التي يتعين عليها التكتل والائتلاف لمواجهته، بل وعلى مستوى الحركات والقوى الفاعلة على الأرض، ولقد رأينا كيف أن القرار الإسرائيلي قد أطلق ديناميات لا تقتصر على الحكومات والعواصم، بل شمل أنصار الله اليمنية وحركة الشباب الصومالية اللتان تعهدتا، كل من موقعها بضرب الوجود الإسرائيلي في "أرض الصومال"، وهو توجه، وإن صدر عن جهتين متناقضتين في الفكر والإيديولوجيا والتحالفات، إلا أنه يعكس قدراً هائلاً من القلق المشترك المترتب على امتداد "الأصابع الصهيونية" للعبث بضفتي الأحمر والمندب وبحر العرب، لكأن بؤرة جديدة للصراع قد انفتحت على مصراعيها، أو لكأن تداعيات "الطوفان" تأبى أن تقف عن حدود معينة.