شريط الأخبار
سقوط الأسطورة: هل يتحول التفوق الإسرائيلي من مصدر قوة إلى مأزق استراتيجي طقس خريفي معتدل الحرارة في أغلب المناطق عملية اطلاق نار ضد جنود احتلال قرب الخليل واستشهاد المنفذين.. والاحتلال يصعد بالضفة مباحثات بين الصفدي والشيباني: ضرورة وقف التوغّلات الإسرائيلية في الأراضي السورية تعديل ساعات العمل على جسر الملك حسين اعتباراً من الأحد اوروبا تنتفض وتثور .. لماذا؟ التربية تحدد مواعيد جديدة للدوام المدرسي .. 7:45 الطابور الصباحي ضبط 6 اعتداءات على المياه في سحاب الملك يستقبل الشيباني ويؤكد دعم الأردن لسوريا في الحفاظ على أمنها غش الزيت .. إلى متى؟ "صناعة عمان" تنظم ورشة عمل حول برنامج (صنع في الأردن) بمشاركة خبير كولومبي حكومة الشريف عبد الحميد شرف (1979): صدمة التحديث الإيجابية وهندسة التوازنات النخبوية التربية تعمم بمنع بيع الشيبس في المدارس احالة موظفين ببلدية اربد للمحكمة بتهم التزوير "نيويورك تايمز": خطط أميركية إسرائيلية لعدوان مكثّف على إيران بعد الانتخابات الأميركية في تمهيد لتجديد العدوان على غزة: جيش الاحتلال يروّج مزاعم عن تعاظم قوة حماس د. ذوقان عبيدات: سندويتشات على هامش قضية اللؤلؤة! حرب الزيتون: 409 اعتداءات للاحتلال والمستوطنين على موسم القطف خلال 3 أسابيع "اي بي سي": واشنظن تسحب قوات لها من الأردن وقطر والكويت البلبيسي: نرصد تطورات إيبولا مع تشديد الرقابة .. وإصابات كورونا محدودة

الاقتصاد كمولد للأزمات السياسية

الاقتصاد كمولد للأزمات السياسية


وائل منسي

في اللحظة الراهنة، لم يعد ممكنًا قراءة ما يجري في العالم بوصفه تراكبًا عشوائيًا للأحداث أو انفجارًا متزامنًا للأزمات، بل نحن أمام سياق تاريخي واحد متماسك تتداخل فيه التحولات الاقتصادية العميقة مع إعادة هندسة الصراع الجيوسياسي وأدوات الحرب. 

 ما يبدو احتجاجات هنا، وتصعيدًا عسكريًا هناك، وانهيارات محتملة في أسواق الطاقة في مكان ثالث، ليس سوى وجوه متعددة لأزمة بنيوية تضرب قلب النظام الدولي ذاته.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أسهم الحزبان الحاكمان في الولايات المتحدة، دون استثناء جوهري، في ترسيخ نموذج اقتصادي أعاد توزيع الثروة صعودًا، وأفرغ الطبقة الوسطى من مضمونها الاجتماعي والسياسي. 

 هذه العملية لم تتوقف عند الداخل الأمريكي، بل جرى تعميمها عالميًا عبر النيوليبرالية، ومؤسسات التمويل، واتفاقيات التجارة، لتتحول إلى ظاهرة كونية أكثر حدّة في دول الجنوب، حيث تآكلت الطبقات الوسطى أو اختفت بالكامل، تاركة مجتمعات هشة، قابلة للاحتجاج، وسريعة الاشتعال.

  من هنا يمكن فهم الصعود المتزامن لخطابات الغضب الشعبي، من الشعبوية اليمينية إلى اليسار الراديكالي، كاستجابات مختلفة لأزمة واحدة، لا كتيارات معزولة.

هذا الخلل البنيوي في توزيع الثروة أنتج بيئة مثالية لحروب من طراز جديد، حيث لم تعد المواجهة العسكرية المباشرة هي الأداة الوحيدة، بل أصبح الاقتصاد والاحتجاج والفضاء الرقمي ساحات قتال متقدمة.

  في هذا السياق، تتقدم إيران كنقطة تقاطع نموذجية بين الضغط الاجتماعي الداخلي والصراع الجيوسياسي الخارجي. 

 الاحتجاجات داخلها ليست اختراعًا خارجيًا ولا حراكًا معزولًا عن السياق الدولي، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى عنصر ضمن حرب هجينة تُدار بذكاء، تراهن فيها واشنطن وتل أبيب على تفكيك الخصم من الداخل بالتوازي مع رفع كلفة المواجهة من الخارج. التصريحات الإسرائيلية التي تفضل "الفوضى” على بقاء النظام، وقطع الإنترنت، واستهداف البنية الإعلامية، كلها إشارات على انتقال الصراع من الردع التقليدي إلى منطق التفكيك المتدرج.

في المقابل، لا تتعامل طهران مع المشهد بوصفه أزمة داخلية فقط، بل كجزء من معركة وجودية أوسع. رفع الجاهزية العسكرية، تفعيل منظومات الدفاع الجوي، إبراز القدرات الصاروخية والبحرية، والتلويح بضربات استباقية، كلها رسائل مزدوجة: للداخل بأن الدولة متماسكة، وللخارج بأن كلفة الهجوم ستكون إقليمية لا محلية.

  لكن الخطورة هنا أن المشهد لم يعد محكومًا بمنطق "منع الحرب”، بل بمنطق إدارة الكارثة.

  التحركات العسكرية الأمريكية من أوروبا، الاجتماعات الأمنية في تل أبيب، وإخلاء الرعايا من إيران و”إسرائيل”، توحي بأن المنطقة تقف على حافة مواجهة قد تبدأ بضربة سيبرانية وجوية محدودة، لكنها سرعان ما تتدحرج إلى اشتباك مفتوح متعدد الجبهات، لا يمتلك أحد سيناريو واضحًا لنهايته.

في قلب هذا المشهد، تعود الطاقة لتلعب دور السلاح الاستراتيجي بامتياز.

  الحديث عن فنزويلا، وأوبك، وإغراق الأسواق بالنفط الرخيص، لا ينفصل عن إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي.

  السيطرة غير المباشرة على موارد النفط، سواء في العراق أو فنزويلا، تعني إضعاف خصوم استراتيجيين، وتقليص قدرة دول ريعية على المناورة السياسية، وتحويل الطاقة من مصدر قوة للدول المنتجة إلى أداة ضغط عليها. هذا التحول لا يهدد فقط توازنات السوق، بل يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية عميقة في دول بُني استقرارها لعقود على الريع النفطي، ما يعيدنا مرة أخرى إلى الحلقة الأولى: الاقتصاد كمولّد للأزمات السياسية.

وتتعمق الصورة أكثر عندما ننتقل إلى الممرات البحرية، البحر الأحمر، باب المندب، مضيق هرمز، والبحر العربي لم تعد مجرد شرايين تجارة عالمية، بل تحولت إلى خطوط تماس عسكرية.

  التصعيد في هذه الممرات، والحديث عن مسؤوليات الدول المطلة عليها، يكشف أن العولمة ذاتها باتت رهينة الجغرافيا العسكرية.

  أي خلل في هذه النقاط لا يعني أزمة إقليمية فحسب، بل ارتجاجًا في الاقتصاد العالمي بأسره، وهو ما يفسر القلق الدولي المتصاعد والتحركات الاستباقية للدول الكبرى.

الخلاصة أن العالم يقف أمام لحظة انتقالية حادة: نظام اقتصادي يفقد شرعيته الاجتماعية، نظام دولي يتآكل دون بديل مستقر، وحروب لم تعد تُخاض فقط بالجيوش، بل بالأسواق، والاحتجاجات، والإنترنت، والممرات البحرية.

  الشرق الأوسط ليس ضحية جانبية لهذا التحول، بل ساحته المركزية، حيث تُختبر أدوات الصراع الجديدة، وتُرسم ملامح النظام القادم.

  في هذا المشهد المفتوح، لا يبدو السؤال المطروح هو كيف نعود إلى ما كنا عليه، بل كيف سننجو مما هو قادم، في عالم لم يحسم بعد شكل توازنه الجديد.