هندسة المنطقة قسراً.. أو وهم "اغتيال الفكرة" بقرار إداري!!
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
لم يكن القرار الأمريكي
الأخير بتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في دول الطوق (الأردن، مصر، لبنان)
كمنظمات إرهابية مجرد إجراء روتيني في أروقة وزارة الخزانة، ولا هو صحوة مفاجئة
لمكافحة الإرهاب.
من يقرأ المشهد بعين
"الصيدلاني" التي تفكك المكونات لتعرف أصل الداء، يدرك أننا أمام
"وصفة إسرائيلية" بامتياز، صُرفت من "صيدلية" الإدارة
الأمريكية.
****
قرار بالإنابة..
و"بوليصة تأمين" لنتنياهو:
لا يمكن فصل هذا القرار
عن سياق ما بعد السابع من أكتوبر، فحكومة اليمين في تل أبيب، التي غرقت في رمال
غزة، تدرك اليوم أن الحسم العسكري المباشر وحده لا يكفي، لذا، جاء هذا القرار كجزء
من "هندسة أمنية" شاملة للمنطقة، تهدف لخلق "حزام أمان" حول
الكيان المحتل.
إن واشنطن، بهذا
القرار، تمارس دور "الشرطي المالي" نيابة عن إسرائيل؛ فهي تستخدم سطوة
الدولار والقوانين العابرة للحدود لتقوم بما عجزت عنه الدبلوماسية الإسرائيلية:
خنق الحواضن الشعبية والسياسية في دول الجوار، وتجفيف أي شريان -ولو معنوياً- قد
يغذي صمود الأهل في فلسطين.
****
من "المواجهة
العسكرية" إلى "الإعدام المالي":
الذكاء الخبيث في هذا
القرار يكمن في أدواته، هو لا يرسل حاملات طائرات، بل يرسل "لوائح
سوداء" للبنوك والمؤسسات المالية، الهدف هو تحويل أي تعاطف أو عمل خيري أو
نشاط سياسي في هذه الدول إلى "مغامرة انتحارية" من الناحية المالية
والقانونية.
إنه محاولة لفرض
"عزل دولي"قسري، ووضع الحكومات
العربية أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانصياع الكامل للأجندة الأمنية
الإسرائيلية، أو مواجهة المقصلة المالية الأمريكية.
****
مأزق الرهان على
"قتل الفكرة":
وهنا تكمن المعضلة
الكبرى، والخطأ الاستراتيجي القاتل في حسابات ترامب ونتنياهو، إنهم يتعاملون مع
حركات المقاومة وتياراتها الفكرية بمنطق "الشركات"؛ يعتقدون أن إفلاس
"الشركة" وإغلاق مقراتها يعني نهايتها.
لقد غاب عن هؤلاء أن ما
يحدث في غزة من إبادة ومجازر لم يقتل "الفكرة"، بل سقاها بالدم وجعلها
عصية على الاقتلاع.
لقد تحولت المقاومة في
وعي الشعوب -بعد صور الأشلاء والدمار- من خيار حزبي أو سياسي، إلى "عقيدة
وجودية" وواجب إنساني وأخلاقي، لا يمكن شطبه بقرار حظر أو تصنيف.
****
الدولة الأردنية..
والتمييز بين "الحظر" و"الإرهاب":
في ظل هذا المشهد، تبرز
الحاجة الماسة لحكمة الدولة الأردنية في إدارة هذا الملف الشائك، ورغم أن الدولة
اتخذت قراراً رسمياً بحظر الجماعة في أيار 2025 لاعتباراتها الخاصة، إلا أن صانع
القرار في عمّان يدرك يقيناً الفارق الشاسع والخطير بين إجراءات "الحظر القانوني"
الداخلية، وبين الانجرار خلف الرغبة الأمريكية في وصم شريحة واسعة من المواطنين بـ
"الإرهاب".
إن الضغط الأمريكي يهدف
لنقل الملف من "أروقة القضاء والإدارة" إلى "الملاحقة الأمنية
والمالية" لكل من يحمل هذا الفكر، وهو فخ إسرائيلي يهدف لخلخلة النسيج
الاجتماعي الأردني.
الرهان اليوم معقود على
أن تمارس الدولة سيادتها في رفض هذا "الإملاء الخارجي"، وأن تمنع تحويل
الخلاف السياسي/القانوني الداخلي إلى "محرقة مجتمعية" تخدم أجندة اليمين
الإسرائيلي الذي لا يريد خيراً للأردن ولا لفلسطين.
****
ختاماً:
قد ينجح هذا القرار في
إغلاق حساب بنكي هنا، أو محاصرة مؤسسة هناك، وقد ينجح في تعميق الأزمة التي خلّفها
قرار الحظر السابق، لكن التاريخ يعلمنا درساً لا يستوعبه صانعو القرار في واشنطن
وتل ابيب: الفكرة التي ترويها الدماء لا تموت بقرارات إدارية ولا بتصنيفات أجنبية.
إن محاولة "كي
الوعي" وإغلاق منافذ التعبير لن تنهي المشكلة، بل قد تدفع المنطقة برمتها نحو
المجهول.
واهمٌ من يظن أن
توقيعاً في واشنطن تنفيذا لرغبة صهيونية ، يمكنه أن يمحو عقيدة تجذرت في وجدان
أمة، أو أن يطمس حقيقة أن صاحب الحق لا ينسى حقه، مهما اشتد الحصار.




















