التفاوض مع الجهات الأجنبية: لماذا لا يجب أن يكون الخلاف سببًا للتراجع
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حداد
يسود في بعض الأوساط
السياسية والاقتصادية والمؤسسية اعتقادٌ مفاده أن التفاوض مع الجهات الأجنبية لا
يكون مجديًا إلا عندما تتوافر أرضية توافق مسبق. هذا الاعتقاد، رغم شيوعه، غير
دقيق، بل وقد يكون مكلفًا استراتيجيًا. فالواقع العملي يثبت أن العديد من
المفاوضات المفصلية تبدأ من نقطة خلاف، لا من نقطة اتفاق. الخلاف ليس فشلًا
دبلوماسيًا، بل غالبًا ما يكون نقطة الانطلاق الأولى للحوار الجاد والمسؤول.
في عالم تتشابك فيه
المصالح وتتصادم السياسات وتتغير فيه موازين القوى، فإن الانسحاب من الحوار بحجة
الخلاف يؤدي إلى اتساع فجوات الفهم، وضياع الفرص، وإضعاف القدرة على حماية المصالح
الوطنية. الصمت لا يصون المصالح، بل يعرّضها للمخاطر.
التجارب الدولية واضحة
في هذا السياق. فالدول ذات التأثير العالمي، لا تحصر التفاوض في دائرة الشركاء
المتفقين معها. بل تنخرط في مفاوضات منظمة مع أطراف تختلف معها سياسيًا أو
اقتصاديًا أو حتى استراتيجيًا. وهي تفعل ذلك انطلاقًا من إدراك راسخ بأن حماية
المصالح الوطنية لا تتحقق بالعزلة، وإنما بالانخراط المهني المنضبط.
الأردن ليس استثناءً من
هذه القاعدة. فالمملكة، بما تمتلكه من إرث دبلوماسي عريق ودور محوري في استقرار
المنطقة، تحتاج إلى مقاربة تفاوضية واقعية قائمة على إدارة الخلاف لا الهروب منه.
سواء في ملفات الاستثمار، أو البنية التحتية، أو الطاقة، أو المياه، أو الاتصالات،
أو التعاون الإقليمي، فإن الأردن يتعامل باستمرار مع شركاء لا تتطابق أولوياتهم
بالضرورة مع أولوياته.
التراجع عند أول خلاف
لا يخدم المصلحة الوطنية، أما إدارة الخلاف بوعي ومهنية فتعزز الموقع التفاوضي.
التفاوض في بيئة خلاف
يتطلب انضباطًا عاليًا. فلا مكان للانفعالات، ولا لردود الفعل الإعلامية، ولا
للضغوط اللحظية على طاولة التفاوض. ما يهم هو وضوح الأهداف، وتماسك الموقف
المؤسسي، والرؤية بعيدة المدى للمصلحة الوطنية.
ويأتي التحضير في مقدمة
متطلبات التفاوض الناجح. فالمفاوض المحترف يدرك دوافع الطرف الآخر، وحدود حركته،
وآليات اتخاذ القرار لديه. التحضير الجيد يحوّل التفاوض من رد فعل إلى عملية
مدروسة، تحفظ الثوابت وتفتح المجال لتسويات عقلانية.
ولا يقل عن ذلك أهمية
الفهم الثقافي والمؤسسي. فمعرفة كيفية تفكير الطرف المقابل إداريًا وقانونيًا
وثقافيًا تبني الثقة وتقلل الاحتكاك. احترام الاختلاف لا يعني التنازل عن المصالح،
بل يعني التفاوض بذكاء وثقة.
أما الجانب الأكثر
إغفالًا، فهو القدرة على تحويل الخلاف إلى فرصة. فخلف كل موقف متصلب مصلحة أعمق.
والمفاوض الناجح لا ينشغل بالشعارات المعلنة، بل يبحث عن تلك المصالح ليبني عليها
مساحات التفاهم.
وخلال مسيرتي المهنية،
شاركت في مفاوضات فنية وتعاقدية دولية لمشروعين امتدا عبر نصف الكرة الأرضية. وقد
شملت هذه المفاوضات حكومات متعددة، ومشغلين دوليين، وموردين عالميين، وأطرًا
تنظيمية وقانونية مختلفة. وكان الخلاف حاضرًا في معظم المراحل، بل هو الحالة
الافتراضية لا الاستثناء.
ومع ذلك، ومن خلال
الحوار المنظم، والوضوح الفني، والاحترام الثقافي، والصبر الاستراتيجي، تم التوصل
إلى اتفاقيات متوازنة خدمت جميع الأطراف. هذه التجربة أكدت لي قناعة أساسية:
الخلاف لا يمنع النجاح، وإنما سوء إدارة الخلاف هو ما يفعل ذلك.
في المحصلة، التفاوض
ليس ساحة للانتصار الخطابي، ولا وسيلة لتحقيق مكاسب آنية. إنه أداة لحماية المصالح
الوطنية، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وبناء قدرات مؤسسية مستدامة، وتعزيز موقع
الأردن كشريك موثوق على الساحة الدولية.
الخلاف لا يجب أن يكون
ذريعة للانسحاب. وعندما يُدار بمهنية وانضباط استراتيجي، فإنه يصبح أساسًا للتقدم
لا عائقًا أمامه.




















