العقوبات الأمريكية… حرب قذرة لكسر الشعوب
د. طارق سامي خوري
ما يجري في هذا العالم
ليس خلافًا سياسيًا ولا صراعًا دبلوماسيًا، بل حرب مكتملة الأركان تُدار بلا
دبابات ولا طائرات. الولايات المتحدة لا تعاقب أنظمة، بل تُحاصر شعوبًا كاملة
لأنها ترفض الخضوع، أو لأنها تجرؤ على الوقوف في وجهها وفي وجه الكيان الصهيوني.
العقوبات الاقتصادية ليست أداة ضغط، بل سلاح تجويع وإذلال يُستخدم بدم بارد وتحت
عناوين زائفة.
ما يعانيه اقتصاد إيران
ليس فشلًا ذاتيًا ولا أزمة عابرة، بل نتيجة مباشرة لحصار مالي ونفطي ومصرفي خُنقت
به حياة الناس اليومية. لم تسقط العقوبات النظام، لكنها كسرت القدرة الشرائية
للمواطن، ورفعت كلفة العيش، وأفقرت المجتمع، فيما بقي القرار السياسي خارج متناول
هذا السلاح. المشهد ذاته تكرّر في فنزويلا، الدولة النفطية التي حُوصرت حتى الجوع،
وجُمّدت أموالها، وشُلّت تجارتها، فانهارت العملة، واصطف الناس على الخبز والدواء،
بينما لم يتحقق أي "تحول ديمقراطي” كما زعمت واشنطن. وفي كوبا استمر الحصار لعقود
طويلة دون أن يغيّر نظامًا، لكنه شلّ التنمية وأبقى شعبًا كاملًا تحت الاستنزاف
الدائم. أما سوريا، فقد جُمعت عليها الحرب والعقوبات معًا، فصار الحصار الاقتصادي
وجهًا آخر للقصف، يمنع التعافي ويُطيل الألم ويُعاقب الناس على بقائهم في أرضهم.
هذه ليست حالات منفصلة،
بل نموذج واحد يتكرر في كل مكان ترفض فيه دولة أن تكون تابعًا. من نيكاراغوا إلى
كوريا الشمالية، ومن الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، الأداة واحدة والغاية
واحدة: كسر الإرادة عبر الاقتصاد. حين تعجز العقوبات عن إسقاط الدولة، تُستخدم
لإفقار المجتمع، وعندما يبلغ الضغط ذروته، يُفتح الباب إمّا لتدخل عسكري مباشر أو
لانقلاب داخلي يُسوَّق على أنه "خيار شعبي”.
الاقتصاد في العقيدة
الأمريكية لم يعد وسيلة تنمية، بل سلاح حرب، والعقوبات لم تعد إجراءً سياسيًا، بل
جريمة جماعية تُرتكب بحق الشعوب باسم القانون الدولي، بينما هي في جوهرها قانون
الغاب بصيغة حديثة. من يظن أن هذا السلاح لن يُستخدم ضده فهو واهم، ومن يصفّق له اليوم
سيتذوّق مرارته غدًا.
اتعظوا، تعلّموا،
واصحوا. فزمن الإذلال لا يبدأ بالجنود، بل بتجفيف الخبز والدواء والعمل، وعندما
تصل الدبابات يكون كل شيء قد انهار، إلا كرامة من رفضوا الانحناء.




















