عالم جديد شجاع
د . حيدر البستنجي
أستعير العنوان من
عنوان رواية الدوس هكسلي الرائعة والتي تصف ديستوبيا تَشكل النظام العام في
المستقبل المنظور ، حيث يسيطر العلم والقوة على البشر وتختفي المشاعر وتصبح مصلحة
النظام الحاكم اهم من الرغبات والأحلام الفردية ، نظام شمولي يقوم بالسيطرة
على الناس وتحديد خياراتهم تحت شعار المصلحة العامة.
وأعتقد ان هذا المصطلح
يصلح لوصف العصر الجديد الذي يبشر به ترامب من دافوس او يمكن القول اننا امام ما
يسمى " باكس أمريكانا"، وباكس مصطلح يرمز للسلام المبني على القوة
الجبرية وباكس هو أيضاً اسم ربة السلام في الميثولوجيا الرومانية الألهة التي
تفرض السلام على الجميع بالقوة، وباكس روما" (Pax Romana) تعني "السلام الروماني"، وهي فترة استمرت حوالي 200 عام
(من 27 ق.م إلى 180م) شهدت استقراراً وازدهاراً داخلياً في الإمبراطورية الرومانية
تحت حكم الأباطرة الأوائل، خاصة أغسطس، وشملت نمواً اقتصادياً وبناء بنية تحتية
ضخمة، ورغم أنها لم تخل من الحروب الخارجية والتمردات، إلا أنها مثلت عصراً ذهبياً
للسلام النسبي داخل الإمبراطورية بفضل قوة الإمبراطورية وخضوع اعدائها او خوفهم من
تحديها.
باكس أمريكانا هو
بالضبط تجسيد خطاب ترامب في دافوس او محاولته العنجهية لوضع النقاط على
الحروف في عالم اليوم والغد مفتتحاً عصراً جديدا تتحكم فيه الولايات المتحدة بهامش
الحركة الدولية دون مواربة وبالقوة الهائلة او حتى مجرد التهديد بالقوة، مع الشعور
بعدم وجود استعداد لدى الاعداء للتحدي حالياً ، لهذا يقول ترامب بصراحة ودون
خجل ماتريده امريكا هو المهم لأنها وحدها من تحدد مصلحة العالم وليس على
باقي الدول إلا الإنصياع ، ما هو مطروح للدول الأربعة العظمى الأخرى( بريطانيا
وفرنسا وروسيا والصين ) التكيف و التعاون وعدم استفزاز الولايات المتحدة او
تجاوز خطوط معينة مرسومة بحذر مع ترك المجال مفتوحا للقوى الأربعة مؤقتا ان تمارس
هيمنتها القديمة بانتظار ما ستسفر عنه المنافسة المحتدمة الجارية بين
الولايات المتحدة والصين وعلى كل المجالات في عالم احادية القوة الذي يستمر
بالتمدد والتكرس بشكل غير مسبوق اليوم ، ناهيك عن ضمان الهيمنة غير المتنازع عليها
على كيانات كبرى ولكن ليست عظمى مثل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية وإندونيسيا
و في نفس الوقت تتبقى امام الدول المتوسطة ( تركيا، ايران ،البرازيل والهند ومن
على شاكلتها ) خيارات محدودة ، التكيف او المصير المرعب البحث عن تحالفات وازنة او
الانحناء للعاصفة، فهي إمّا أن تكون على الطاولة وتناقش ماهو مطلوب منها … أو تكون
في قائمة الطعام كما صرح بذلك رئيس وزراء كندا الذي استشعر بالخطر ، و عليها في
جميع الاحوال ان تبحث عن مصالحها دون مكابرة وتقديم الحلول العقلانية دائما.
لكن ماذا عن الدول
الصغيرة على شاكلتنا والتي تعيش ضمن أقاليم مضطربة ودون هامش مناورة كبير ، هذه
الدول ستجد نفسها تناقش هامش التبعية لا هامش الحرية ولن يكون بوسعها ان ترفع غير
سعر الخبز وقلق الامهات وأعداد القتلى في الحروب العبثية او تنصاع لرغبات العم سام
مع استعمال كمية مناسبة من الملينات وفي احسن الظروف تجنب الخروج عن قواعد اللعبة
الجديدة.
نحن امام عالم جديد يستمر بالتشكل قد يحل فيه
مجلس السلام العالمي محل الامم المتحدة او يستخدم مواردها وإمكاناتها
الهائلة والانسانية في خدمة الحكومة العالمية وعندها تصبح وزارة
الخارجية الاميركية هي المرجعية الدولية وتفقد المنظمات الدولية قدرتها على
التأثير إذا لم تتماشى مع التيار السائد ويتم فيه اعادة ضبط المصنع على دقة
الساعات السويسرية كما المح ترامب في دافوس بالكثير من العنجهية.
هل هذا
هو القدر الوحيد المتاح ، التاريخ يحمل الكثير من الإشارات التي تنفي ذلك وكما
أشار ماركس في احدى أطروحاته العبقرية الديالكتيكية ان قانون وحدة وصراع الأضداد،
حيث تخلق الهيمنة نقيضها وأدوات هدمها بالتأكيد ولا غالب إلا الله.














