المعارضة السياسية كأداة لإدارة المخاطر الوطنية
مقاربة حَوكَمية لدور المعارضة في تعزيز الاستقرار السياسي
وكشفت
بقلم: م. نبيل إبراهيم حدّاد*
في النقاشات السياسية
العامة، يُطرح أحيانًا توصيف دور المعارضة السياسية باستخدام مفاهيم معيارية مثل
"النضج” أو "عدم النضج”. غير أن هذا النوع من التصنيف، عند النظر إليه من زاوية
إدارة المخاطر الوطنية والحَوكمة السياسية، لا يُعد توصيفًا دقيقًا بقدر ما هو
تبسيط لمعادلة أكثر تعقيدًا.
من منظور الحَوكمة، لا
تُقاس المعارضة بوصفها حالة قيمية، بل بوصفها أداة مؤسسية لإدارة المخاطر
السياسية، وتعزيز التوازن، وتحسين جودة القرار العام في الدولة.
في الأردن، كما في غيره
من الدول، لا يمكن فصل النقاش حول المعارضة عن النقاش الأوسع حول إدارة المخاطر
النظامية التي تواجه الدولة.
المعارضة ضمن إطار
المخاطر الوطنية
وفق منهجيات إدارة
المخاطر، تُعرَّف المخاطر الوطنية بأنها تلك التي قد تؤثر على:
• الاستقرار السياسي
• شرعية المؤسسات
• كفاءة صنع القرار
• الثقة العامة بين الدولة والمجتمع
في هذا السياق، تؤدي
المعارضة السياسية أدوارًا حيوية، من أبرزها:
• رصد مبكر للمخاطر المرتبطة بالسياسات العامة
• اختبار قرارات السلطة من خلال النقد المؤسسي
• منع تراكم الأخطاء عبر المساءلة العلنية
• تقليل مخاطر الاحتقان الناتجة عن غياب قنوات
التعبير
غياب المعارضة، أو
تهميشها، لا يقلل المخاطر، بل يرفعها ويؤجل انفجارها.
الخبرة السياسية كآلية
تخفيف مخاطر
في إدارة المخاطر، لا
تُبنى الكفاءة من خلال التنظير، بل من خلال التجربة التشغيلية.
وينطبق هذا المبدأ على
العمل السياسي.
الخبرة السياسية
للمعارضة لا تُكتسب عبر العزل أو التقييد، بل عبر:
• ممارسة الرقابة البرلمانية الحقيقية
• التفاعل المباشر مع السياسات العامة
• تحمّل مسؤولية المواقف والبدائل المقترحة
• التعلم من الأخطاء في بيئة مؤسسية آمنة
من منظور الحَوكمة،
حرمان المعارضة من ممارسة دورها الكامل هو في حد ذاته خطر سياسي، لأنه يمنع تراكم
الخبرة ويُضعف الجاهزية المؤسسية للنظام ككل.
الحَوكمة السياسية ليست
اختبارًا للمعارضة
الحَوكمة الرشيدة لا
تقوم على اشتراط "الجاهزية الكاملة” لأي فاعل سياسي قبل السماح له بالمشاركة، بل
على:
• وضوح الأدوار والمسؤوليات
• تكافؤ الفرص السياسية
• آليات مساءلة متبادلة
• توزيع متوازن للسلطة والنفوذ
في هذا الإطار، لا
تُطالب المعارضة بإثبات كمال أدائها كي تُمنح شرعية الدور، بل تُمنح شرعية الدور
كي يتحسن الأداء عبر الممارسة والمساءلة.
دمج إدارة الأداء
والمخاطر في العمل المعارض
لتعظيم القيمة الوطنية
للمعارضة، يجب النظر إليها كجزء من منظومة إدارة الأداء السياسي، من خلال:
• تحديد أهداف سياساتي قابلة للقياس
• استخدام مؤشرات أداء رئيسية للعمل البرلماني
والحزبي
• تحليل مخاطر السياسات الحكومية والبدائل
المقترحة
• تقديم سيناريوهات متعددة بدلاً من مواقف أحادية
بهذا المعنى، تتحول
المعارضة من مجرد فاعل احتجاجي إلى شريك حَوكَمي في تقليل المخاطر وتحسين القرار
العام.
الخلاصة: المعارضة
كصمام أمان وطني
من منظور إدارة المخاطر
الوطنية، السؤال ليس: هل المعارضة ناضجة أم غير ناضجة؟ بل السؤال الأهم هو: هل
يُسمح للمعارضة بأن تمارس دورها بما يكفي لاكتساب الخبرة، والمساهمة في خفض
المخاطر، وتعزيز استقرار النظام السياسي؟
المعارضة ليست عبئًا
على الدولة، بل أحد أدواتها غير المباشرة في إدارة المخاطر الاستراتيجية.
تقييدها يزيد المخاطر
وتمكينها ضمن إطار حَوكَمي واضح يقللها.
هذه ليست دفاعًا عن
معارضة بعينها، بل دفاع عن الدولة بوصفها منظومة تسعى إلى الاستقرار عبر التوازن،
لا عبر الإقصاء.
·
مستشار الهندسة
والصناعة وإدارة المشاريع














