قمة بروكسل..مخاوف أوروبية من تهميش "مجلس السلام" للمؤسسات الدولية
في
بروكسل، لم يمرّ مقترح ما يُعرف بـ"مجلس السلام" مرور الكرام على جدول
أعمال القمة الأوروبية، إذ برز كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل بين قادة الاتحاد
الأوروبي، في ظل انقسام واضح في المواقف بين دول ترى فيه مبادرة غامضة، وأخرى
تعبّر عن رفض صريح له، مقابل حالة تردّد لدى عدد من العواصم الأوروبية.
وخلال القمة التي عقدت في المجلس الأوروبي في بروكسل،
عبّر قادة وزعماء دول أوروبية عن مخاوف جدّية من أن يؤدي إنشاء "مجلس
السلام" خارج إطار الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم، إلى تقويض دور
المؤسسات الدولية، وخلق آليات موازية تفتقر إلى الشرعية القانونية والتمثيل
المتوازن.
من جهتها، شددت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد
الأوروبي، كايا كالاس، على أن الاتحاد الأوروبي لا يمكنه دعم أي إطار جديد يهمّش
المؤسسات الدولية القائمة، أو يضعف دور الأمم المتحدة، مؤكدة أن السلام لا يُبنى
عبر مبادرات منفردة، بل من خلال احترام القانون الدولي والشرعية الدولية.
وأضافت كالاس في تصريحاتها قبيل انعقاد القمة
الاستثنائية، أن مجلس الأمن الدولي نص على أن أعمال مجلس السلام تنتهي عام 2027،
مع مسار واضح لتسلم الفلسطيني زمام الأمور، مؤكده "نريد أن يكون مجلس السلام
محصورا ضمن قرار مجلس الأمن وفي غزة فقط، عندها يمكن العمل مع المجلس".
من جانبه أكد رئيس وزراء سلوفينيا روبرت غولوب، على
رفضه الدعوة للانضمام لمجلس السلام "ليس لأننا لا نريد السلام لغزة، بل لأن
هناك أسئلة كثيرة حول نطاق المجلس وصلاحياته".
وتابع: "لا نريد مجلسا يكمل الأمم المتحدة أو
ينافسها، وإن تغير ذلك سنكون مستعدين للانضمام" مشيراً إلى أن أي مبادرات
تتعلق بالسلم والأمن الدولي يجب أن تنطلق من المنظومة متعددة الأطراف، محذرا من أن
تجاوز الأمم المتحدة قد يفتح الباب أمام تسيس السلام واستخدامه أداة نفوذ أمريكي.
الموقف الفرنسي كان الأكثر وضوحًا وحزمًا، إذ أكدت
باريس أن أي مقترحات تتعلق بالسلم الدولي يجب أن تكون مكمّلة للنظام الدولي القائم
لا بديلاً عنه، وأن فرنسا ترفض أي ترتيبات قد تمنح نفوذًا غير متوازن لطرف واحد،
في إشارة إلى التخوف الأوروبي من الدور الأميركي في صياغة وتوجيه مجلس السلام.
وخلال تصريحات خاصة لـ"قدس برس" على هامش
القمة المنعقدة في بروكسل أوضح دبلوماسيون أوروبيون أن حالة التردد لدى بعض الدول
الأعضاء تعود إلى غياب تفاصيل واضحة حول آلية عمل مجلس السلام، صلاحياته، مصادر
تمويله، وطبيعة القرارات التي قد يصدرها، فضلًا عن التساؤلات المتعلقة بمدى استقلاليته
عن التأثيرات السياسية للقوى الكبرى.
وأكد المحلل السياسي المختص بالشؤون الأوروبية يوهان
ويك، أن الاتحاد الأوروبي يعد أكبر مانح منفرد للمساعدات المقدمة للفلسطينيين عبر
السلطة الفلسطينية، وقد ساهم مرارًا بسخاء في جهود إعادة إعمار غزة، عقب الأضرار التي
خلّفتها جولات التصعيد مع الاحتلال الاسرائيلي.
وأضاف ويك لـ"قدس برس" أن الاتحاد الأوروبي
يدعم حلّ الدولتين، وهو موقف يحظى بإجماع دولي واسع، ويشارك إلى جانب الولايات
المتحدة والأمم المتحدة وروسيا في اللجنة الرباعية الدولية، التي سعت إلى إيجاد
تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر ما عُرف بخارطة الطريق للسلام، وفي أعقاب
الجرائم الإسرائيلية المتواصلة في غزة والضفة الغربية المحتلة، اعترفت دول أوروبية
متزايدة بدولة فلسطينية.
وأشار إلى أنه رغم ذلك، قام الرئيس الأميركي دونالد
ترامب بتهميش الاتحاد الأوروبي في ملف غزة، حيث يمثّل الولايات المتحدة كلٌّ من
جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، معتبرا أن هذا الواقع يثير قلقًا أوروبيًا من أن
تُحدَّد أولويات غزة في إطار مشاريع اقتصادية، مثل ما يُطرح عن "ريفييرا
جديدة للشرق الأوسط"، بدلًا من التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للفلسطينيين.
وأوضح ويك أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير
سيكون له مقعد في مجلس السلام المقترح، معتبرًا أن الممثل السامي للاتحاد الأوروبي
للشؤون الخارجية والأمن، كايا كالاس، قد يكون خيارًا أكثر ملاءمة، مضيفا أن تجربة
بلير السابقة كمبعوث للرباعية لم تنجح في إحلال السلام.
وأكد أن غموض خطة ترامب، وعدم وضوح ما تحمله فعليًا
للفلسطينيين، يدفع الاتحاد الأوروبي ومعظم دوله الأعضاء إلى عدم الرغبة في
الانضمام إلى مجلس السلام.
وأضاف ويك أن الاتحاد الأوروبي يقوم على سيادة القانون
والمبادئ الديمقراطية، في حين أن مجلس ترامب للسلام يفتقر إلى الطابع الديمقراطي،
ويقوّض القانون الدولي، بل ويمسّ بدور الأمم المتحدة.
وخلص إلى أن موافقة الاتحاد الأوروبي على مثل هذه الخطة
قد تؤدي إلى فقدانه جزءًا من مصداقيته الدولية.
وبحسب ما خلصت إليه قمة بروكسل، فإن الاتحاد الأوروبي
لم يمنح أي غطاء سياسي أو التزام رسمي تجاه مجلس السلام، مكتفيًا بالتأكيد على
تمسكه بالنظام الدولي القائم، ودور الأمم المتحدة كمرجعية أساسية في قضايا السلم
والأمن الدوليين.
وتعكس مداولات القمة قلقًا أوروبيًا متزايدًا من
محاولات إعادة تشكيل آليات السلام خارج الأطر المتفق عليها دوليًا، وسط تأكيد على
أن أي مسار بديل لا يحظى بإجماع دولي قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام بدلًا من تحقيق
الاستقرار.
قدس برس















