جولي براون.. الصحافية البطلة فاضحة قضية الشيطان ابستين
احمد ابو خليل
قضيت اليومين الماضيين
في تتبع قضية إبستين، ومحاولة فهمها في السياق الأخلاقيّ الغربي، حتى أصبحت
للتفاصيل رائحة عفن تزكم الأنف، وتترك في الضمير الإنساني جروحاً عميقة.
لكنني توصلت إلى هذه
الحقيقة: إنّ الضمير الإنساني يجب أن يدين بالامتنان إلى الصحفية البطلة التي أخذت
على عاتقها إعادة فتح التحقيق الإعلامي والقانوني ضدّ إبستين (بين عامي
2018-2019)، بعد أن تستر عليه القضاء والادعاء العام حوالي 15 عاماً.
إنّها جولي براون Julie K. Brown (مواليد 1961): الصحفية الاستقصائية في «هيرالد
ميامي» إحدى أكبر الصحف في أميركا، بعد أن نشرت سلسلتها الخطيرة حول هذه القضية
وأعطتها عنوان «انحراف العدالة»
Perversion of Justice.
أمضت براون أكثر من عام
في قراءة وتدقيق حوالي 10,000 وثيقة رسمية، موزعة على محاضر محاكم، وملفات الشرطة،
وتأكدت بنفسها من صحة كلّ معلومة قبل النشر، ثم قابلت حوالي 60 ضحية من أصل 80
وجدت أسماءها في التحقيقات، وقد ظهرت للعلن منهن 8 ضحايا، أعطتهن الفرصة للحديث عن
تجاربهن المريرة، وهو ما لم يحصل من قبل في وسائل الإعلام الكبرى.
فضحت براون كيف استطاع
إبستين الإفلات من العقاب بفضل ثروته وشبكة علاقاته السياسية والاجتماعية، وأظهرت
ضعف النظام القانوني في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحملت - بصبر عظيم ودعم نزيه
وشجاع من الجريدة التي تعمل فيها - مواجهة النفوذ المالي والتهديدات القانونية
لإبستين، وجعلت المجتمع يدرك حجم «انحراف العدالة» فعلاً في أميركا.
لقد تسبب نضالها
المهني، باعتقال إبستين في منتصف العام 2019، بعد عقود من الإفلات من العقاب،
فضلاً عن اعتقال رفيقته في الجرائم غيسلين ماكسويل. وكان من أبرز انعكاسات ما
فعلته جولي براون يتمثل في تسليط الضوء على ضرورة حماية القاصرات والضحايا في
النظام القضائي الأمريكي، وفتح هذا النقاش العالمي الذي يحدث الآن في كلّ مكان،
حول هذه القضية، وحول أخلاقيات القضاء في الغرب، وسلطة المال والسياسة هناك.
ولكي نعرف قوة وأهمية
ما فعلته براون، يكفينا أن نتذكر المحاولة المبكرة التي بدأتها صحفية أمريكية
شجاعة قبلها في العام 2003، هي فيكي وارد VICKY WARD،
حين حاولت نشر تقرير صحفي في إحدى المجلات، يتضمن شهادة لاثنتين من ضحايا أبستين،
إلا أن رئيس التحرير، وبسبب وقوعه تحت التهديد بالقتل، قام بقص الشهادتين من
التقرير، وجعله أشبه بتقرير دعائي لصالح أبستين. ومنذ ذلك الحين ساد صمت مطبق في
أميركا، إعلامياً وقانونياً.
أما جولي براون فلم
تتراجع رغم المخاطر، وناضلت من أجل نشر الحقيقة، فأصبحت صوت الضمير الصحفي، الذي
لم يسمح للخوف أو المال أن يوقفه.
وتثميناً لشجاعتها هذه،
فازت براون، بجوائز صحفية كبرى، منها جائزة جورج بولك (George Polk Award for Justice Reporting) في العام 2018. عن سلسلة تحقيقاتها
«انحراف العدالة». ثمّ نالت جائزة سيدني (Sidney Award) العام 2019 للصحافة الاستقصائية المتميزة. ثم، في العام نفسه، نالت
جائزتي: نيل وسوزان شيهان(Neil and Susan Sheehan Award) وجائزة هلمان، تقديراً لإسهامها في خدمة الصالح العام. وبعد هذا
كله، تم إدراجها في العام 2020 ضمن قائمة مجلة تايم لأكثر 100 شخصية مؤثرة في
العالم. وأخيراً حصلت في العام 2025 على جائزة إنجاز العمر من رابطة الصحفيين
الاستقصائيين والمحرّرين(IRE) تكريماً لمسيرتها
وتأثيرها في الصحافة الاستقصائية.
هذه المرأة هي التي
جرّت أبستين من «ياخته» إلى السجن، ولم تخف من سلطته وجبروته، ولم تتراجع.
إنّها الجزء المضيء مما
حدث!



















