من (جزيرة الشيطان) إلى مراكز القرار: ارتهان العالم لحكومة الظل
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
لم يكن ما تكشّف في وثائق
"جزيرة الشيطان" الخاصة بالمقبور جيفري إبستين مجرد سقطات أخلاقية
وإجرامية لنخبة انحرفت فطرتها وانتكست إنسانيتها فحسب؛ بل نحن أمام "مؤسسة
سياسية" قائمة بذاتها، تدار بعقلية استخباراتية باردة.
إن المتفحص لهذه
الشبكات العنكبوتية يدرك أننا أمام منهجية قديمة متجددة تُعرف في عالم الاستخبارات
بـ "مصيدة العسل"، ولكنها طُبقت هنا على مستوى قادة دول، ومشرعين،
وأباطرة مال ورجال أعمال، ليكونوا بيادق تحركها أيادٍ خفية.
*****
بين الواقع والنبوءة:
تأصيل الجريمة السياسية...
قبل أن نستعرض كيف تحول
هؤلاء القادة إلى دمى، يجب أن ندرك أن هندسة هذا "الخضوع" ليست وليدة
اللحظة، ولا هي مجرد نزوات عابرة لأثرياء فاسدين.
إن ما كشفته الوثائق
اليوم يأتي بمثابة "المصادقة الواقعية" على تحذيرات أطلقها مفكرون
وباحثون كبار قبل عقود، لقد بُحّت أصواتهم وهم يحذرون من وجود هيكل تنظيمي عالمي
يعتمد "الرذيلة" كدستور للحكم، و"الابتزاز" كأداة للسيطرة.
لم تكن تلك الكتب التي
كُتبت في القرن الماضي مجرد قصص خيالية أو نظريات مؤامرة كما روج الإعلام الرسمي
لتسفيهها، بل كانت قراءة استشرافية دقيقة لواقعنا الحالي.
واليوم، تخرج وثائق
إبستين لتنفض الغبار عن تلك المراجع، وتثبت أن ما كُتب بالحبر قبل خمسين عاماً،
يُكتب اليوم بالصوت والصورة في أروقة النخبة العالمية.
*****
وفيما يلي نُسقط ما ورد
في أهم هذه المراجع السياسية والفكرية على واقعنا المشهود:
أولاً: "أحجار على
رقعة الشطرنج".. التطبيق الحرفي للنظرية....
في الديمقراطيات
الغربية التي تتشدق بالشفافية، يبدو أن هناك "فلاتر" خفية لمرور
السياسيين، فهذا المشهد يعيدنا فوراً إلى ما سطره "ويليام جاي كار" في
كتابه المرجعي (أحجار على رقعة الشطرنج)، حين كشف عن مخطط القوى الخفية للسيطرة
على العالم من خلال إفساد أخلاق القادة وتوريطهم.
ما كشفته الوثائق يثبت
أن هؤلاء الزعماء ليسوا سوى "أحجار" يتم تحريكها بعد كسر إرادتهم.
فالسياسي الذي يتم
تصويره في أوضاع مخلة مع قاصرين لا يملك ترف الاعتراض على قرار شن حرب، أو تمرير
قانون يخدم الشركات الكبرى، أو -وهذا الأهم- غض الطرف عن جرائم الاحتلال منذ عقود،
إنه يصبح مجرد دمية تحركها خيوط الفضيحة، تماماً كما وصف كار في كتابه.
*****
ثانياً: البصمة
الاستخباراتية و"الحكم بالسر"...
لا يمكن لعاقل أن يقرأ
سيرة "غيلين ماكسويل" (شريكة إبستين) دون أن يستحضر تاريخ والدها،
إمبراطور الإعلام والجاسوس المرتبط بالموساد.
إن ما كان يفعله إبستين
يتقاطع بشكل مذهل مع ما طرحه "جيم مارس" في كتابه (الحكم بالسر)، حيث
شرح كيف أن التاريخ الحقيقي لا يُصنع في العلن، بل تديره جمعيات سرية وشبكات نفوذ
غامضة.
إن توفير القاصرين لهؤلاء
القادة كان طعماً لاستدراجهم، لتتحول تلك الأشرطة إلى "أوراق ضغط" في
خزائن أجهزة استخبارات معينة، تُستخدم لترويض القرار السياسي العالمي لخدمة مصالح
الحركة الصهيونية والنظام العالمي الخفي، وهو جوهر ما تحدث عنه مارس حول تزييف
التاريخ والواقع من قبل قلة متنفذة.
*****
ثالثاً: نخبة
"لجنة الـ 300" والفساد البنيوي...
عندما تجد وزراء مالية
ورؤساء بنوك مركزية ورؤساء دول سابقين ورجال اعمال بارزين في هذه القوائم، تدرك
أننا أمام الهيكلية التي شرحها "د. جون كولمان" في كتابه (هرمية
المتآمرين: قصة لجنة الـ 300).
هؤلاء الذين ظهرت
أسماؤهم هم جزء من تلك الطبقة الأرستقراطية المالية والسياسية التي تعتبر نفسها
فوق القانون وفوق الحكومات الوطنية.
إن شبكات الابتزاز هذه
تضمن بقاء المنظومة تعمل لصالح هذه القلة، وتستخدم الانحراف الأخلاقي كأداة لضمان
الولاء المطلق داخل هذا النادي المغلق.
*****
ختاماً:
إن العالم الذي نعيشه
اليوم، والذي نرى فيه العجز الدولي عن وقف الإبادة وتزييف الحقائق، ليس عاجزاً عن
قلة حيلة، بل هو عالم "مختطف"؛ مختطف من قبل عصابة طبقّت حرفياً ما ورد
في كُتب التحذير من حكومات الظل، فأمسكت بمفاتيح الغرف المغلقة لتدير من خلالها
قاعات الأمم المتحدة والبيت الأبيض.
إنها دكتاتورية
الابتزاز، حيث يُساس العالم من قبل مجموعة من المجرمين الذين هم في حقيقتهم مجرد
عبيد لشهواتهم ولمن يمتلك وثائق إدانتهم.
*****
ولا يمكننا ونحن نغلق
هذا الملف الأسود، إلا أن نطرح التساؤل الأخطر الذي بات يتردد صداه في الكواليس:
هل هذا التكرار المريب
والمكثف لاسم "الرئيس الأمريكي الحالي" في تلك الوثائق – والذي تشير بعض
المصادر إلى وروده أكثر من 3200 مرة – هو المحرك الحقيقي لجنون الحروب الذي يمارسه
اليوم؟
هل نَسف الاستقرار
العالمي وإشعال الحرائق في كل بقعة، ليس إلا محاولة يائسة للهروب إلى الأمام؟
يبدو أن "الهروب
من العار" يتطلب إحراق العالم بأسره لصرف الأنظار عن الفضيحة الأخلاقية التي
تطال رأس الهرم، ليكون الدم المسفوك في منطقتنا هو الغطاء الوحيد لستر عوراتهم في
واشنطن.


















